ماريبوسا (1)

  


صوت عذب يرن في الآذان، كنسيم رقيق يداعب الفؤاد، مألوف رغم غرابته، كانت نغماته تتصاعد وتنحدر كرقص الغيوم في السماء، لكن كل نغمة كانت تأتي مع همسات من القلق، وكأنها تخبئ وراء جمالها اللامع ظلالًا من الخوف.

ومن بعيد، لكن أقرب مما تتخيل، لاح خيط فضي ينسجم مع الظلام؛ قمر مستدير ينير المكان بلطف، ضوء سلط على زوايا روحه المظلمة، ورغم سحره، كان هناك توتر يختبئ في الأجواء.

برودة قاسية تسللت إلى الروح، وكأن الوجود نفسه قد تجمد في تلك اللحظة، فكان السكون الذي يحيط بهذا الجمال ليس إلا قناع لشيء أعمق وأكثر قتامة.

كيف؟ كيف له وهو محاط بهذا الجمال أن تنتابه تلك الهواجس؟

واقفا هناك على حافة السطح، متأملًا العالم الذي بدا صغيرًا تحت قدميه، حيث كانت الرياح تعصف بوجهه، تحمل معها صرخات الماضي المليئة بالوحدة.

"لما؟ لما أنا في هذا المكان؟"

أفكار عديدة تتراقص في ذهنه، تنازعه بين رغبة في الحياة والرغبة في إنهاء كل شيء

كيف وصلت الأمور لهذه المرحلة؟

لكن ورغم أن ما يقف بينه وبين الموت كان خيطاً رفيعاً إلا أن مشاعره كانت فاترة، أفكاره تتجول بلا هدف محاطة بظلام يعتصر قلبه.

كان كل ما يحيط به باهتًا، حتى الألوان فقدت حيويتها، والأصوات تلاشت إلى همسات بعيدة، وكأن الحياة نفسها قد غادرت.

ورغم أن قلبه كان ينبض بقوة، إلا أن تلك النبضات لم تكن تعكس حياة حقيقية، بل كانت أشبه بدقات ساعة متوقفة، تُذكّره بأن الوقت يمضي بينما هو عالق في دوامة من الخمول الداخلي.

كانت تلك المشاعر الفاترة هي الجسر بينه وبين الموت، تشعره بأن الحياة مجرد عبء، وأن الخروج من هذا الكابوس هو الخيار الوحيد.

وكان الموت يناجيه، يمد يده داعيًا إياه للانغماس في ظلامه.

وفجأة، ظهرت أمام عينه فراشة زرقاء، جناحيها المتلألئين يلمعان كسديم ساحر تحت ضوء القمر.

كانت تدور حوله، وكأنها تستكشفه، ثم توقفت للحظة، لتطل عليه من بعيد، كأنها تدعوه للمتابعة.

كلما تحركت، كانت تنطلق في دورات دائرية، ترسم أشكالًا في الفضاء، بينما كانت عينيها المشرقتان تحملان شيئًا غامضًا، كأنهما تعرفان أسراره وتفهمان آلامه.

وفي تلك اللحظة، لم يكن بإمكانه مقاومة الجاذبية، فقد مد يده نحوها، وكأنها تمثل طوق نجاة، تجذبه نحو الحياة.

تقدم نحوها بخطوات حذرة، كما لو كان مسلوب الإرادة، ثم لم يفق إلا والأرض تقترب نحوه بسرعة مذهلة، تقترب وتقترب...

وهكذا تلاشت الأفكار، وكل ما تبقى هو شعور واحد، شعور القرب من الموت، متداخلًا مع وهج الأمل الذي تمثله تلك الفراشة.

"ها، هذا الهراء اللعين مرة أخرى"

هكذا استفاق من كابوسه المتكرر، وعذابات الليل ما زالت عالقة في ذهنه كظلٍ يسامره بلا رحمة، تلك الفراشة الزرقاء التي تأسره في كل مرة ، ذاك المبنى الشاهق الذي يسلبه حياته، بالإضافة إلى تلك الأغنية التي تتسرب من شفتيه وتذوب كلما استفاق.

كان يتصبب عرقًا، حيث تدفقت قطرات الماء البارد على جبهته، إلا أن ملامح وجهه كانت غير مبالية، وكأنه اعتاد هذه المعاناة.

شعره الأسود الفوضوي تناثر حول جبهته كأشواك الأشجار، يعكس فوضى حياته المبعثرة.

مد يده ببطء نحو حافة السرير، حيث كانت نظارته الدائرية تنتظره في صمت.

وضعها على أنفه، وراحت عيناه تتجولان في الغرفة، تتفحص الأثاث البسيط الذي يحمل آثار الزمن، والستائر التي تعكس ضوء الشمس الخافت وتبدو كأنها تتنفس بحذر.

وبعد لحظات سار بخطوات بطيئة نحو المرآة، يحدق بها بوجه خال من التعبير، وكأنه ينتقي بعناية الكلمات التي سيحادث بها نفسه في هذا اليوم الجديد.

وجهه البيضاوي ذو الزوايا الناعمة، رغم جاذبيته، كان يعكس عبء المعاناة، وعظام خديه المرتفعة بدت بارزة أكثر من المعتاد، تضفي على ملامحه مظهرًا شاحبًا، بينما أنفه المستقيم يتناغم مع بقية ملامحه المرهقة.

عيناه، الذهبيتان كلون العسل، بدتا متعبتين وباهتتين، كما لو كانت تحملان وزر الأيام الثقيلة.

وشعره الأسود، الذي يشبه الغراب، يتناثر حول جبهته، مضيفاً لمسة من الفوضى إلى مظهره.

بشرة وجهه، الفاتحة والناعمة، كانت تعكس نضارة خافتة، تتناقض مع التعب الذي يكتنفه، وتبدو كأنها تروي قصة ليالٍ طويلة من السهر والأرق.

وبينما كان منهمكًا بمشاعره المتلاطمة، رن في أذنه صوت طرق الباب كدقات قلبٍ مفاجئة، تنبهه من سباته العميق الذي غرق فيه.

شعورٌ متأجج من القلق تملكه، كأنما كانت نيران داخلية تحرقه، لكن سرعان ما استجمع شتات نفسه، واستعاد وضعه الطبيعي كمن يستعيد أنفاسه بعد غوصٍ عميق.

بصوتٍ هادئ، حاول أن يخفي ما يجول في صدره، وقال:

"ادخل".

بدأ الباب يفتح ببطء، وصرير المفصلات يتناغم مع ضربات قلبه، وكأن كل منهما يعزف لحنًا خاصًا للحظة التوتر.

في تلك اللحظة، برز من خلف الباب شاب طويل القامة، ذا جسد متناسق، يتناغم مع رشاقته.

كانت ابتسامته مشرقة كأشعة الشمس التي تخترق الغيوم، وشعره البني يتطاير برفق مع نسيم الهواء، بينما كانت عيناه الخضراوان تلمعان كنجمتين في سماء صافية، تحملان في عمقهما سحرًا يجذب الأنظار ويثير الفضول.

بينما كان يراقب الشاب، سمع صوته اللطيف يتسلل إلى أذنه، وكأن الكلمات تتراقص في الهواء:

"أنت مستيقظ؟ ههه كنت أريد إيقاظك".

ضحك بحرج، لكن تلك الضحكة لم تكن كافية لتخفف من جفاء ملامح رايفين، حيث ظل يحتفظ بوجهه البارد، ونظراته الحادة التي تخرق الصمت، كأنها تعكس تناقض المشاعر التي تتصارع في داخله.

"ما الذي تريده؟"

جاء صوته متجهمًا، يحمل في طياته تحديًا واضحًا.

"رايفين"

ناداه الشاب بنغمة رقيقة، كأنه يحاول أن يخفف من حدته، لكن تلك المحاولة ذهبت أدراج الرياح، وكأنها قد أخذت معها أي أمل في تغيير أجواء التوتر التي كانت تسيطر على الموقف، لتترك الغرفة بصمت ثقيل قبل أن...

"أجل؟"

جاء رد رايفين، يحمل في طياته برودة لا تخطئها العين، وعيناه تضيقان قليلاً، كأنما يحاول قراءة ما وراء كلمات الشاب.

حينها ابتلع الشاب كلماته، وكأنها عالقة في حنجرته، ودفن ما جاء به عميقًا في أعماق نفسه، محاولاً استجماع أفكاره قبل أن يستأنف الحديث.

بدأ بالتكلم بشكل عبثي، ملامحه متوترة والابتسامة تتأرجح على وجهه كما لو كانت خيطًا رفيعًا:

"حسناً، كنت أعتقد أنك لا تزال نائماً لذ-"

لكن رايفين قاطعه بحزم، وصوته كالسيف القاطع

"أخي".

"....."

"قل ما جئت لأجله"

كان نبرة صوته تجسّد السلطة، وعيناه تشعان بقوة لا يمكن تجاهلها، وكأنما تتحدى الشاب نفسه.

سقطت الكلمات من فم الشاب وبدت على وجهه علامات الخيبة، حيث انكمشت زوايا فمه، وتلاشت الابتسامة عن وجهه، كأنما سُرقت منه بلمح البصر.

لكن، سرعان ما استعاد ابتسامته الرقيقة، التي بدت كقمر يضيء في ظلام دامس، تلك الابتسامة التي كانت تخفي وراءها مشاعر متضاربة، وكأنها درع يحميه من سخرية الموقف.

"هل لديك مال؟"

انفلتت الكلمات من الشاب، وكأنها صدى لقلقه المتزايد.

"هاه؟"

رد رايفين بدهشة، وكان الغضب يلوح في عينيه، لكنه سرعان ما توقف عندما لاحظ أن عيني أخيه قد اتجهتا نحو مكان آخر.

على المكتب في زاوية الغرفة، كانت محفظته السوداء ترسم ظلًا خافتًا على الطاولة، رغم الفوضى التي تلوح بالمكان إلا أنها كانت تبرز بشكل واضح.

في تلك اللحظة، راح رايفين يتنهد بانزعاج، وعلامات الاستغراب تتجلى على وجهه، ليعبث بشعره بطريقة عصبية.

"لا تقلق نفسك بهذا الشأن."

قالها وهو يتقدم باتجاه أخيه، وملامحه تكتسب حدة، كأنه يحاول حماية نفسه من مشاعر الارتباك.

"انتظر لحظة، راي-"

حاول الشاب أن يوقفه، لكن رايفين لم يكن لينصت له.

"لدي ما يكفي."

جاء الرد حاسمًا، قبل أن يغلق الباب بقوة، ويبقى وحيدًا في الغرفة، حيث ظل واقفًا للحظة، مستشعرًا فراغ المكان الذي تركه أخوه.

لكن لم يتح لنفسه الوقت للانغماس مجددًا في مشاعره؛ كانت عقارب الساعة تشير نحو الثامنة وقد تأخر عن مدرسته.

بدأ يغير ملابسه بسرعة، حركاته تعكس الاندفاع والتوتر. شعره ينسدل على جبينه بينما كان يلتقط حقيبته المدرسية، ويتفحص محتوياتها بعجلة.

وقبل أن يهم بالخروج، توقّف للحظات أمام مكتبه، حيث تكدست الكتب والأوراق.

سحب محفظته من بين الفوضى، وأخذ نفسًا عميقًا، محاولًا استجماع شتات أفكاره، ثم أدار ظهره وانطلق نحو بداية يومه الجديد، عازمًا على مواجهة ما ينتظره.

...........................

خرج من منزله وعلامات الإرهاق بادية على وجهه، حيث أضفى التعب عمقًا على ملامحه.

لم يكن الأمر أنه يكره أخاه، بل كان كل لقاء بينهما بمثابة استدعاء لكابوس متكرر، مما كان يثير الغضب بداخله كالجمر المتأجج تحت الرماد.

مد يده إلى جيبه ليخرج محفظته، ونظر إليها بصمت كأنها تمثل عبئًا ثقيلًا.

كان يشعر بالانفصال عن العالم من حوله، وكأنما يتأمل مشهدًا غريبًا لا ينتمي إليه.

عينه كانت تلمع ببرود، لكنها كانت تحمل أيضًا لمحات من الحزن والحنين.

فجأة، وبلمح البصر، انتشلت المحفظة من يديه.

"هاه؟"

اندهش، وعيناه تتسعان في ذهول، وكأنما خرج من غيبوبة قصيرة.

كانت مشاعر الغضب تتلاشى لتترك مكانها الحيرة والارتباك، وكأنما كان يتساءل عن كيفية حدوث ذلك.

"أنت دومًا تنسى أن تكون أكثر حذرًا!"

جاء صوت صديق قديم له، وهو يبتسم بابتسامة عريضة، كأنه يحاول تخفيف حدة مزاجه.

كاي، بابتسامته العريضة التي تُذكر بالشمس في يوم غائم، كان يقترب بخطوات مرحة، وكأنما يحاول عبور جسر من الغضب الذي كان يعتمل في صدر رايفين.

تجمدت اللحظة بينما عواطف متضاربة تتصارع في ذهن رايفين؛ كان الانزعاج يتأجج في داخله، بينما الدهشة من مفاجئة كاي له تضيف مزيدًا من التعقيد للموقف.

"أعدها بينما أتحدث بلطف"

قال رايفين، بصوت هادئ لكنه مشحون بالتوتر، دون أن يلتفت للخلف نحو كاي.

لكن كاي، الذي لم يكن يشعر بحدة الموقف، رد عليه بنبرة ساخرة، ابتسامته لم تفارق وجهه:

"ما الذي ستفعله إذا؟"

جاء السؤال كطعنة لمشاعر رايفين، مما جعل الغضب يتصاعد في داخله كأنما ينفجر بركان.

التفت بسرعة، وبدون تفكير، انقض على كاي محاولًا استعادة محفظته، بينما كان يهدده بنظرات مشتعلة.

لكن كاي، بدلاً من التوتر، راح يبعد المحفظة في محاولة لمداعبة رايفين وإزعاجه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة، تجعله يبدو كطفل يعبث بألعاب الآخرين.

كان ذا شعر أبيض يتلألأ تحت أشعة الشمس، وعينان حمراوان تتألقان بروح المرح.

"لقد حذرتك، كاي!"

صرخ رايفين، عازمًا على استعادة ما هو له.

اندفع نحو كاي، لكن الآخر استمر في الابتسام بمرح وكأنه يستمتع بالموقف.

ومع تصاعد حدة الموقف، طفح الكيل مع رايفين، فدفع بقبضته نحو وجه صديقه بغضب.

"هاها، لن أعي-أوتش!"

صرخ كاي، بينما استعاد رايفين المحفظة.

كان صديقه يفرك أنفه الذي بات أحمر من شدة الضربة، ودمعة صغيرة تبرز من عينيه، لكن ذلك لم يمنعه من متابعة تذمره بشكل فكاهي.

"بحق، إنها مجرد محفظة فارغة، لما كل هذا الانفعال؟"

كان يتحدث وكأنما يحاول تقليل من أهمية الموقف، مما زاد من انزعاج رايفين.

لكن رايفين لم يجبه، وأعاد المحفظة إلى جيبه بينما سار مبتعدًا.

ومع ذلك، لم يستسلم كاي، بل تبعه من جديد، وكأنه يتحدى غضب صديقه بإصرار غير عادي.

"أين تظن تذهب؟"

سأل كاي، وهو يركض خلفه، محاولًا استعادة لحظات المرح التي كانت تميز صداقتهما.

لكن راي لم يجبه وأعادها لجيبه وسار مبتعداً إلا أن كاي لم يستسلم ولاحقه من جديد، ومن ثم سأل وهو يقترب من رايفين بخطوات واثقة.

"أعني، إن كنت لا تملك المال، فلماذا لا تقول ذلك؟"

لكن رايفين لم يجبه مما دفعه للتقدم أمامه وقطع الطريق عليه، وفجأة، وبدأ بتقليد تعابير وجهه بدقة، محاكيًا تلك الحدة والقلق.

ومع كل لحظة، بدأ تعبيره يتغير من السخرية إلى شيء أكثر برودة.

توقف كاي للحظات وسط نظرات رايفين الحادة، وراح يقطب جبينه ويعبس، مبدياً وجهًا مشابهاً لتعبيرات الغضب التي كانت تسيطر على رايفين.

ثم، وهو ينظف حلقه، أخرج صوتًا منخفضًا وهادئًا.

"أمي، أريد بعض المال."

نظر رايفين نحوه بتعابير فارغة، عينيه تتأملان كاي، إلا أنه وسرعان ما تشوه وجهه، وكأنما كانت هناك طعنة في معدته.

لم يكن قادرًا على تصديق الغباء الذي يستعرضه كاي أمامه، مما جعله يشعر بامتزاج من الإحباط والسخرية.

شعر كاي بالحرج، وابتعد خطوة إلى الوراء، وكأنما يزيح الطريق أمام بركان الغضب الذي كان يضطرم بداخل صديقه.

رايفين، الذي كان قد استعاد بعض من هدوئه، قرر أن يتجاهل تصرف كاي الغريب، واستأنف مشيته.

عندما تابع الاثنان مسيرتهما، كان الصمت يملأ المكان، لكن التوتر لا يزال يلوح في الأفق.

رايفين سار بخطوات أسرع، محاولًا التخلص من مشاعر الغضب والإحباط، بينما كاي، الذي لم يكن يشعر بالاستسلام، تابع السير بجانبه، محاولًا اختراق جدار الصمت الذي تفصل بينهما.

...........................

بعد لحظات بدأت المدرسة تلوح لهما بالأفق كانت جدرانها مبنية من الطوب الأحمر، تعكس تاريخًا عريقًا وثقافة غنية، بينما تزين نوافذها بزخارف فنية دقيقة تعبّر عن روح المكان.

السقف القرميدي يتصل بالأفلاك، وكأنما يرحب بالغيوم المارة.

تتوسط المدرسة حديقة غنّاء، حيث تتراقص الأشجار حولها كأوصياء على هذا الصرح التعليمي.

أغصانها تتمايل برفق مع نسمات الهواء، تاركةً ظلالًا مريحة على الأرض، مما يجعل المكان مثاليًا للدراسة أو التأمل.

لكن هذه اللحظة الهادئة سرعان ما تلاشت عندما توقفت خطوات رايفين فجأة، وتغيرت ملامح وجهه بشكل طفيف، ولكن ذلك التغيير كان كافياً ليعكس شعورًا مستاءً.

كان عينيه تتسعان قليلاً، وكأنما يعبر عن استغراب أو إحباط. تلك اللحظة، التي كانت تبدو هادئة، أصبحت مشحونة بالتوتر.

ليصطدم به كاي، الذي كان يسير بخفة، مستمتعًا بأجواء الحديقة، لم يكن ذلك الاصطدام مؤلمًا، لكن المفاجأة جعلت كاي يتعثر بخطواته، ويكاد يسقط على الأرض ليقاطع ذلك حديثه الحماسي:

"وعندها قلت له أ... أوتش... ها؟ ما الأمر، لما توقفت؟"

سأله كاي بلهجة غير مبالية، بينما كانت ملامح وجهه تعكس استغرابًا حقيقيًا.

لكن نظرات رايفين كانت مشدودة نحو الزاوية البعيدة، حيث كانت مجموعة من الطلبة الجانحين مجتمعين، يتبادلون الضحكات والنظرات المتحدية، وكأنهم يخططون لشيء ما.

عندما أعاد رايفين تركيزه إلى كاي، أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة نفسه، ثم التفت نحو كاي، الذي كان لا يزال يعبث بشعره بطريقة غير مبالية.

"سأتعامل معهم، لذا يم-"

لم يكمل حديثه، إذ اتسعت عيناه بذهول عندما رأى كاي يتبخر من المكان بسرعة رهيبة.

بدأ رايفين يقلب عينيه في المكان باحثًا عنه حتى وجده مختبئًا بعيدًا، خلف شجرة كبيرة، حيث كانت أوراقها الكثيفة تحجب عنه الأنظار.

"ذلك اللعين"

فكر رايفين، مشاعر الغضب تتصاعد في داخله، ووجهه كان يعكس مزيجًا من الاستياء والإحباط.

بينما كان تعبير الذنب كان يحيط بكاي، وكأنه يدرك تمامًا أنه تخلى عن صديقه في لحظة حرجة.

"آسف، ههه..."

قالها بصوت خافت، مع ابتسامة مرتبكة، لكن رايفين لم يكن في حالة المزاح.

كانت أصوات الطلبة الجانحين تتعالى، تتردد في الهواء كأصداء تتحدى سكون الحديقة، مما جعل رايفين يشعر بضغط أكبر.

أخيرًا، التفت رايفين بعيدًا عن كاي، متجهًا نحوهم.

كان يتقدم بثبات، محافظًا على تعبيره البارد. كاي، الذي كان يراقبه بقلق من الخلف، شعر بأن الأمور تتجه نحو منعطف خطر.

وعندما بات رايفين على بعد خطوات منهم، هم إلى قميصه يخلعه، مما دفع الجانحين إلى تبادل نظرات ساخرة فيما بينهم، وكأنهم يحطون من محاولته العقيمة.

لكن رايفين لم يأبه لهم، واستمر في خلع رداءه وترتيبه، وكأنه يستعد لمواجهة حقيقية.

وضعه جانبًا، ثم نظر إليهم بثبات، عينيه تتوهجان بتحدٍ.

"حسناً، لم لا نبدأ الآن إذا؟"

قالها بصوت واضح، يحمل في طياته ثقة لا تتزعزع.

تلك الكلمات كانت بمثابة إعلان عن بداية المواجهة، وكأن الحديقة بأكملها توقفت لتراقب ما سيحدث بعد ذلك، بينما كانت الأشجار تتمايل برفق، وكأنها تمجد  الشجاعة التي أظهرها رايفين في تلك اللحظة الحاسمة.

كانت بضع لحظات فقط، تلك التي انقضت بسرعة كبرق خفي، استغرقها أولئك الفتية ليفرغوا شحناتهم من العنف، تاركين وراءهم صمتًا ثقيلاً يتمايل في الهواء مثل غيمة ثقيلة، وغيوماً من الغبار تتلاشى ببطء في ضوء الشمس الخافت.

في تلك الأجواء المشحونة بالقلق، وبهدوء وحذر، ظهرت خرقة بيضاء تلوح في الأفق، لتظهر ملامح كاي الذي كان مختبئًا خلف الشجرة، يتفحص المكان حوله بعيون متوجسة، مطمئنًا لذهابهم، فيتقدم بخطوات وئيدة نحوه.

في حين كان رايفين، الذي تم ضربه بشدة، يجاهد للوقوف على قدميه، بجسد منهك ووجه مغطى بالكدمات التي أضفت عليه مظهرًا شاحبًا.

لكن، وقبل أن يتمكن من الوقوف، شعر بثقل يد تدفع بجسده نحو الأسفل من جديد.

رفع بصره نحو الأعلى بامتعاض، وقد ظهر له وجه صديقه كاي مع ابتسامته المتهكمة تلك، التي تقلب دواخله وتلوي معدته.

بالنسبة له، كان تلقي الضرب من أولئك المتنمرين أهون بألف مرة من سماع سخريته اللاذعة، ذلك الوغد بدلاً من أن يكون عونًا له، كان يحول معاناته إلى مادة للاستهزاء.

أغمض رايفين عينيه، مستسلماً لمصيره وكأنه يحاول تجاهل ما يحدث حوله.

بدأت أفكاره تتداخل، وهو مستعد لتقبل السخرية التي كان يعرف أنها قادمة.

لكن، وبشكل مفاجئ، كانت التعابير التي أبداها كاي منزعجة حقاً لا ساخرة، حيث اتسعت عيناه بشكل غير متوقع، وظهرت تجاعيد خفيفة على جبينه كعلامة على القلق.

"آه، بحق الله!"

وسواء أكان كاي يدرك ما يدور في خلد صديقه أو لا، صرخ بصوت مرتفع، وكلماته كانت مختلفة عما توقعه رايفين.

لذا ولوهلة، مخدوعاً بذلك التعبير الممتعض لكاي، وكيف راح وكيف راح يقلب بصره ويتفحصه من كل جانب، خيل له أنه قلق بشأنه، لذا وبكل سذاجة كان على وشك أن ينطق في محاولة لطمأنته.

"لا تقل—"

لكن وقبل أن يتمكن من إكمال كلماته، سبقته كلمات كاي التي ألجمت لسانه.

"إذا كنت ستتلقى الضرب في النهاية، فلماذا كل هذه الثقة التي تظهرها؟"

"هاه؟"

تجمد في مكانه، وعقله مشغول بالتفكير في ردٍ مناسب، إلا أن كاي لم يتح له الوقت للتفكير، إذ اقترب منه بسرعة، وعلى وجهه تعبير شبيه بالشفقة.

وضع يده على كتف رايفين، وقال بصوت هادئ:

"لابد أنك محبط، أليس كذلك؟"

شعر رايفين ببرودة في قلبه، وكاد أن يتأثر بكلمات كاي التي بدت وكأنها محاولة صادقة لفهم معاناته.

"أولئك الأوغاد حقاً، أليس لديهم ضمير؟"

قال كاي، وعيناه تتسعان بغضب واضح.

كانت تلك الكلمات تعبر عن استياء عميق من الظلم الذي تعرض له رايفين، مما جعل رايفين يشعر بأن هناك من يقف إلى جانبه، حتى لو كان ذلك في شكل غضب غير موجه مباشرة إليه.

أو هذا ما بدا في الوهلة الأولى، قبل أن ينطق كاي بالكلمات التالية:

"صديقي العزيز منحرف يحب التعرض للضرب"

تجمدت تعابير رايفين، وتحوّل الارتياح إلى صدمة.

"هاه؟ "

"كيف لا يمكنكم القيام بعملكم بشكل صحيح؟"

ها؟

هاه ... هاهاهاها...هاه... لقد كنت غبياً لأني صدقتك للحظة.

همس بتلك الكلمات في داخله وقد فقد أي أمل في الحصول على مواساة من صديقه، بينما يتجلى على وجهه مزيج من الاستغراب والخيبة وعيناه تتسعان في حيرة.

حينها كان كاي الذي قد هدئ تعابير وجهه قليلاً يستدير نحوه ويضيق عينيه متفحصاً وجهه بدقة بينما التوتر يخيم في الهواء في لحظة من الصمت الخانق دفعت رايفين للتساءل بقلق.

"ما... ماذا؟"

سأل رايفين، حيث ارتسمت علامات الارتباك على وجهه، وتعلقت عينيه بكاي، محاولًا فهم ما يجري.

ببطء، حاول أن يتراجع للخلف قليلاً، إلا أن الجدار القاسي أبى أن يفسح له الطريق، مما جعله يشعر بالضيق والاختناق.

كانت يده تتشبث بجانبه، بينما انتفض كاي في تلك اللحظة مرة أخرى بانزعاج وهو يشتم

"ااااا هؤلاء الأوغاد"

ما الأمر هذه المرة؟

أراد أن يسأل لكن، لم ينطق رايفين بتلك الكلمات، فهو حقًا حقاً يود لو يغلق ذلك الفم اللعين، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

إذ عاد كاي من جديد لتفحصه وعيناه تركزان على كل تفاصيل وجه رايفين، من تجاعيد الجبهة إلى الزوايا المظلمة تحت عينيه، وكأن كاي يحاول أن يستنبط شيئًا من تلك التعابير المتعبة.

فجأة، ارتسمت على وجه كاي ملامح التعجب المفتعل، حيث رفع حاجبيه بشكل مبالغ فيه، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتحدث، وكأنما كان يستعد لعرض مسرحي.

ثم قال، بينما كان صوته يحمل نبرة من الاستهزاء:

"حقًا، لست راضيًا عما حدث!"

وعوضًا عن الكلام، حدق به رايفين بنظرة تشع بالاستياء والاستفهام، عله يدرك ما يجول في خاطره. لكن... ألن يكون الحديث إلى الصخر أكثر سهولة؟ كانت نظراته تعبر عن أعمق مشاعر الإحباط، وكأن الكلمات قد انعدمت.

ليضيف كاي بنبرة ساخرة، تتخللها نبرة من الاستهزاء

"ما هذا؟ نظاراتك لا تزال سليمة! كيف لم يتمكنوا من كسرها؟"

وتابع بينما كانت ابتسامة مريبة تتشكل على شفتيه:

"ألا تعمل الصناديق الفارغة برؤوسهم بشكل صحيح أم ماذا؟"

كان صوته يتصاعد، وكأن كل كلمة كانت تُلقى كحجر على قلب رايفين، بينما كان كاي يلوح بيديه بشكل مستفز.

ليأخذ رايفين نفسًا عميقًا وهو يعدل نظاراته بتعبير ملول، وكأنما قرر أنه حان الوقت للتخلي عن الجدل.

ثم رد بصوتٍ متقطع، تنبعث منه نبرة يأس واضحة، بينما كان يحاول أن يلتقط أنفاسه وكأن الهواء نفسه قد نفد من حوله:

"إنها فارغة، كيف ستعمل؟ ومرة أخرى، ما الذي تتحدث عنه؟"

كانت كلماته تتدفق ببطء، وكأن كل واحدة منها تتطلب جهدًا كبيرًا للخروج من فمه.

فأجاب كاي بلا مبالاة، مع رفع كتفيه:

"أوه، هذا منطقي!"

بدت كلماته خالية من أي تعبير، وكأنه لم يكترث لمحتوى النقاش.

أومأ برأسه ببطء، وكأنما استوعب الفكرة دون أن يهتم بتفاصيلها.

"إذا كانت فارغة، فلا يمكن أن تعمل كما ينبغي."

تجمدت ملامح راي في لحظة من الصمت، حيث نظر إلى كاي بعيون فارغة، كأنما كان يستوعب كلمات صديقه لكن دون أن يشعر بأي انفعال.

كانت نظرته خالية من الحماس أو الاستنكار، وكأن عقله قد فصل عن المشاعر.

ليجد نفسه مرة أخرى عاجزًا أمام صديقه الغريب، فيكون هذا الموقف واحدًا من مئات أخرى يسأل فيها نفسه:

لماذا بحق الله اخترت أن تكون صديقًا لهذا الوغد؟

كان كاي يتخلى عنه بسرعة، يختفي عند أول إشارة للمتنمرين، وكأنما يتحول إلى شبح يتلاشى في الأفق.

لكن ما إن يبتعد هؤلاء المتنمرون، حتى يعود كاي، ليبدأ سخرية جديدة وكأن شيئًا لم يكن.

لكن لا يلبث أن تأت مواقف أخرى بالبيان الشافي:

"آه، لهذا أنا صديقه."

كانت علاقتهما غريبة، إذ لم تتسم بالود والدفء، لكنها لم تكن جافة ومقيتة.

بل كانت، بطريقة ما، مريحة.

تلك هي الكلمة الوحيدة التي يستطيع وصف علاقتهما بها.

كان كاي يشبه الغيمة التي تحجب الشمس، لكنه في الوقت نفسه كانت تلك الغيمة تقيه من حرقة الواقع.

لم يكن هناك شغف ولا عمق، لكن كانت هناك مساحة من الراحة التي يجدها رايفين في وجوده.

وفي عالم مليء بالفوضى، كانت تلك الراحة ثمينة. بالنسبة له، كانت شيئًا لن يفرط به، ذلك الشيء الوحيد الذي يرغب به في حياته. تلك العلاقة الغريبة تشكل ملاذًا له، مكانًا حيث يمكنه أن يكون نفسه دون الحاجة إلى ارتداء أقنعة أو إظهار القوة.

ومع كل سخرية، ومع كل تخلٍ، كان يدرك أن كاي هو جزء من نسيج حياته، حتى وإن كان ذلك النسيج معقدًا ومليئًا بالخيوط الملتبسة. كانت تلك الراحة، رغم كل شيء، بمثابة النور الذي يضيء طريقه، ويذكره بأنه ليس وحيدًا في معركته مع العالم.

لكن ومع ذلك....

"ما الذي تفكر به؟"

رغم كل شيء كان لا يزال يأمل لو أمكنه إغلاق ذلك الفم اللعين حتى لا يفتح بعدها أبداً.

"ماذا تريد؟"

سأل كاي بنبرة غير مبالية، بينما كان يميل برأسه قليلاً، مما أضاف إلى عدم اكتراثه.

مما جعل الغيظ يتصاعد داخل رايفين، وتزايد رغبته في إغلاق ذلك الفم اللعين بحيث لا يفتح أبداً.

"ماذا تريد؟"

ليجيبه بسؤال آخر وقد رفع حاجبيه في تعبير مختلط من الاستغراب والانزعاج، بينما كان يحدق في كاي بنظرة تحمل شحنة من التوتر.

"لقد كنت... هاه؟"

حاول كاي الحديث، لكن تعابيره تبدلت فجأة، حيث انحسر لون وجهه وشحب.

"د.....د..د"

خرج الكلام من فمه مبعثراً، بينما تتسع عيناه في ذهول وهو ينظر إلى جبهة رايفين التي بدأت تتلطخ بالدماء، لتفلت من فمه صيحة قوية تختلط بالقلق والذهول.

"دم.... إنك تنزف أيها الوغد! "

حينها رفع رايفين يده بحذر، يتلمس جبهته، حيث شعر بسخونة الدماء تتسرب، وبنظرة باردة دون أدنى اهتمام.

وببطء، أخرج من جيبه منديلًا أبيض، ليمسح الدماء عن جبهته وكأن الأمر لا يعنيه.

ثم، دون أن يلتفت إلى كاي، سار مبتعدًا بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه حالة من الفوضى في مشاعر كاي، الذي ظل واقفًا في مكانه، وراح يتجه إلى حيث كان قد وضع رداءه سابقًا.

انخفض ببطء، وأظهرت تجاعيد جبهته لمحة من التركيز، بينما يلتقط رداء، لينفض الغبار عنه بلا مبالاة وكأن ما حدث لم يكن إلا حدثاً عابراً.

كاي، الذي كان منزعجًا من تصرفه، راح يعبث بشعره بيديه، عاقدًا حاجبيه في تعبير من الاستياء.

كان يتذمر بصوت منخفض، متمتمًا بكلمات غير مفهومة بينما تتجلى عليه علامات الارتباك.

عند رؤية ذلك ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي رايفين، وبدا أنه يستمتع برؤية توتره لا سيما بعد كل السخرية السابقة، كان من اللطيف كيف أن مشاعره الداخلية تظهر بسهولة على وجهه.

لكن ما كان كاي ليعلم ذلك، ليفسد اللحظة مرة أخرى، ويصيح بصوت مرتفع:

"إنه بسببك!"

توقفت اللحظة في الهواء، وكانت كلمة كاي كالرصاصة التي اخترقت الصمت.

حدق كاي في رايفين بعينيه المتقدتين، وكأنما قد عقد العزم على البوح بكل شيء، رغم أنه لم يخف شيئاً من قبل حقاً.

لكن رايفين، الذي بدا هادئًا كعادته، رد عليه بصوت منخفض وصبور، وكأنه يحاول تهدئة العاصفة

"ما الذي تعنيه؟"

تجمد كاي للحظة، وكأن السؤال أخرجه من دوامة مشاعره. كان يعبث بشعره بيديه، مما جعل حركته تبدو عشوائية ومتوترة.

"ألا تتذكر؟"

"ماذا؟"

أجاب رايفين، وعلامات الاستفهام تتراقص في عينيه، بينما انحنى قليلاً نحو كاي، مما أظهر اهتمامه.

كانت يده لا تزال تمسك بالمنديل، لكن نظراته لم تفقد تركيزها.

"هذا...."

......................................

مع بداية الخريف، كانت الرياح العليلة تحمل معها رائحة الأرض المبللة وأوراق الأشجار المتساقطة، التي بدت كأنها تتراقص في الهواء.

كانت الشمس تتسلل عبر أغصان الأشجار، محدثةً بقعًا من الضوء الذهبي على الأرض، مما أضفى سحرًا خاصًا على المشهد.

كان يسير برزانة، مستمتعًا بصوت حفيف الأوراق تحت قدميه.

لكن، في غفلة من الوقت، اصطدم فجأةً بجدار قاسٍ، مما جعله يشعر بصدمة خفيفة في جسده، وكأنه أفاق من حلمٍ غير متوقع.

ببطء، رفع رأسه نحو الأعلى، وعيناه تتسعان في دهشة، ونظاراته الدائرية تكاد تسقط عن أنفه، تعكس ضوء الشمس بلمعة مميزة.

ثم، وبكل هدوء، أطلق زفرة طويلة، محاولًا تهدئة نفسه قبل أن ينطق بصوتٍ خافت:

"المعذرة."

"ها؟"

جاء الرد من الجدار، الذي كان في الحقيقة فتىً آخر، نظر إليه بعينين تحملان نظرة شرسة تهديدية، كأنما يشتعل شرر الغضب في عينيه. رغم ذلك، لم يبالي رايفين بذلك، بل استمر في حديثه.

"أتفهم أنه من الصعب عليكم المشي متفرقين، ولكن هل يمكنك ألا تقف بالمنتصف؟"

احتدت النظرة الشريرة في عيني الفتى وأخرج من فمه صوتاً نزقاً منزعجا

"ماذا قلت؟"

"لم أعتد رؤية إشارة مرور بهذا الترتيب"

"ها؟"

أمال الفتى الشرس رأسه، محاولًا فهم ما يقصده ، بينما تنهد رايفين مرة أخرى، ثم رفع يده ومررها على الفتية الثلاثة أمامه، قائلاً:

"أحمر، أصفر، أخضر... أليست هذه ألوان إشارة المرور؟ لكن لما تلك الأناناسة تقف في المنتصف؟"

توقفت يد رايفين أمام فتى طويل، ذو وجه بيضاوي وبشرة صفراء وشعر أخضر، بدا وكأنه تجسيدٌ لحبة أناناس، حيث تتراقص خصلات شعره كأوراق فاكهة نضرة تحت أشعة الشمس. ورغم سخريته الواضحة، إلا أن الفتى لم يستوعب الأمر، ليطل برأسه نحو رفيقيه متسائلًا ببراءة مختلطة بالدهشة

"ما الهراء الذي ينطق به؟"

أجابه أحد رفقائه بصوت خافت، لكنه يحمل دلالة واضحة:

"إنه يسخر منا"

"ها؟"

ليرد الفتى وتعلو وجهه نظرة غبية تعكس عدم فهمه، فراح صديقه يتنهد ويشرح له الأمر. 

"ألوان شعرنا كإشارات المرور"

عندها، بدأ وجه الفتى يتحول إلى اللون الأحمر، كأنما اندلعت نار الغضب في أعماقه، وظهرت خطوط من العرق على جبينه، بينما اتسعت عينيه في حالة من الاستياء.

وفي المقابل، ظل وجه رايفين هادئًا، كبحر ساكن لا تعكر صفو مياهه أي رياح، مما زاد من حدة التوتر بينهما.

كانت تلك اللحظة، كشرارة تطلق عاصفة من الانفعالات، كأنها نذير عاصفة ستغمر الأجواء، مهددة بتحول هذا اللقاء العابر إلى صراع لا تعرف نهايته.

..............................................

هل تذكرت؟"

صاح كاي، مستدعيًا انتباه صديقه الذي بدا غارقًا في ذكرياته القديمة، عيناه ناعستان ملولتان كأنهما تسحبان ظلال الماضي نحو الحاضر.

لتتسرب ضحكة فارغة من فم كاي، كأنها صدى لذكريات بعيدة، تحمل في طياتها مزيجًا من الحنين والسخرية.

ثم، ظهرت ملامحه متجمدة للحظة، عاكسةً شكًا عميقًا وهو يراقب وجه رايفين، وبعد لحظات، لم يستطع مقاومة الرغبة في التأكد، فاستمر

"هذا الوغد، أنت تتذكر أليس كذلك؟"

رد رايفين ببرود.

"اه"

"إذاً-" 

وقبل أن يكمل كاي جملته، قاطعه رايفين بنبرة متسائلة.

"لكن هل هو خطأي؟"

"هاه؟" 

جاء رد كاي، مدهوشاً، ليعكس ارتباكه الواضح. 

"أعني أليس خطأهم؟، هل هناك إنسان طبيعي يمتلك هذا اللون من الشعر؟"

ليجيبه كاي بتردد 

"لا..لا أعتقد؟"

"بالضبط، كما ليس هناك إنسان يصبغ شعره بهذا الشكل لا سيما رأس الأناناس ذاك لو كنت مكانه لخجلت من إظهار وجهي أمام والداي حتى"

"أجل أجل فهمتك ولكن هل _"

"لا حتى لو كان هناك أناس بهذا الشكل أليس خطأهم التسكع سويا بهذا الشكل؟"

"لا هذا قليل-" 

"أعني حتى وإن فعلو أيجد بهم الاصطفاف هكذا؟" 

نظر كاي نحوه بعين فارغة، وفتح فمه قبل أن يتراجع.

أجل أجل فهمتك ولكن هل _"

"لا حتى لو كان هناك أناس بهذا الشكل أليس خطأهم التسكع سويا بهذا الشكل؟"

رغم حديثه هذا إلا أن رايفين ظل محافظاََ على نبرته الهادئة كما لو كان يتحدث بأمر بديهي ومنطقي. 

"لا هذا قليل-" 

"أعني حتى وإن فعلو أيجدر بهم الاصطفاف هكذا؟" 

نظر كاي نحوه بعين فارغة، وفتح فمه قبل أن يتراجع. 

أراد السؤال حقا عما يهم الترتيب هنا ولكنه آثر الصمت. 

لكن، وكما لو كان راي مدركاََ لما يدور في خلده تابع كلماته. 

" إنها أحمر، أصفر، أخضر، لكن رأس الأناناس ذاك أفسده."

حينها كان كاي عاجزاً عن الرد وقد بات متعاطفا مع المتنمرين متفهما أكثر لتنمرهم لا سيما أنه مر بالموقف ذاته مع ذلك اللعين 

"إذا باختصار، أنت ... تعتقد أنهم المخطئين لا؟"

"أجل" 

وهكذا حلت لحظة من الصمت المحرج بينهما، وكأن عقارب الساعة تأبى أن تدور في مراقبة هذا الحوار الممتع.

ثم، وكأنه قد تذكر شيئًا ما، انفرجت شفتاه في تعبير عن الدهشة، ورفع حاجبيه إلى أعلى، كأنما يسأل السماء عما حدث.

"إذا ماذا عني؟"

سأل كاي، كأنه طفل يسعى للحصول على تأكيد أو تفسير، عيناه تتأملان راي ببراءة ملحوظة، ليجيبه الآخر ببرود.

"ماذا بشأنك؟"

جاء رد راي ببرود، عاكسًا عدم اكتراثه، وكأنه يحاول نفي أي ارتباط بالموقف.

"ألا تذكر ما ناديتني به في أول لقاء؟"

صاح كاي، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الحيرة، وحرك رأسه قليلاً إلى الجانب، كأنما يحاول استيعاب الموقف، ووجهه يعكس مزيجًا من الاستغراب والألم، وكأنما كان يشعر بعبء تلك السخرية التي أحاطت به في تلك اللحظة الأولى.

"لا."

كانت إجابة راي مختصرة، وكأنما أراد أن يتجاهل كل ما حدث.

"رأس البيضة."

همس كاي، وقد بدا على وجهه أثر من الألم المختلط بالمرح، وكأن الكلمات تعيد له ذكريات مؤلمة.

حلَّت لحظة من الصمت المحرج بينهما، بينما كان كاي عابسًا يتذمر، ورايفين يحدق به بهدوء، وبعد لحظات مزق هذا الصمت.

"أنت."

قال راي، مشيرًا إليه بإصبعه كأنه يسلط الضوء على سخرية قديمة.

"ماذا؟ ماذا الآن؟"

ليرد كاي بتوتر، وقد ظهرت على وجهه علامات الاستعداد للدفاع عن نفسه، كأنما كان يتأهب لمواجهة عاصفة الكلمات القادمة.

"لقد اعتقدت ألا شيء يضاهي الرأس الأصلع بلمعانه حتى الآن..."

أضاف راي، وهو يبتسم بخبث، وكأنما يستمتع بإشعال فتيل النقاش.

"... "

فتح كاي فمه بصدمة، وكأنما تلقى صفعة غير متوقعة، بينما كانت الكلمات تتردد في أذنه كصدى يعبث بمشاعره.

"الشعر الأبيض هو الأفضل."

عند تلقي تلك الكلمات، تجمد كاي في مكانه للحظة، وعيناه تتسعان في ذهول، ثم سرعان ما غطى وجهه بيديه، مستسلمًا.

"ألا تعتقد أن شخصيتك هذه بحاجة للإصلاح حقًا؟"

قال كاي بجدية، وعيناه تتأملان راي بصدق، ليميل رايفين رأسه قليلاً، وكأنه لا يفهم ما يقصد.

"شخصيتي؟ لما؟"

"لا، لا تهتم."

في الواقع، كان راي يعلم ذلك، كان هو الشخص الأكثر انزعاجًا من شخصيته تلك، لكن بطريقة ما كان يشعر وكأن هناك جدارًا يمنعه من التغيير.

كانت معاناته تتجلى في تلك اللحظات التي يجد فيها نفسه يعلق على الأمور السخيفة، رغم معرفته العميقة بأنه يضر بنفسه.

يتنقل بين شعور بالإحباط ووعي ذاتي متزايد، حيث كان يُدرك أنه يواجه صراعًا داخليًا.

ورغم أنه يختنق تحت وطأة السخرية التي يطلقها، لكنها كانت أيضًا وسيلة للتعبير عن نفسه، رغم أن تلك التعبيرات كانت تأتي على حساب راحته النفسية.

شعر بالانقسام بين رغبته في التغيير وخوفه من فقدان الهوية التي عرفها.

كان هناك شعور بالأسى عندما يفكر في كيفية تأثير شخصيته على علاقاته، لكنه كان عاجزًا عن كبح اندفاعه في اللحظات التي تثير فيه الإحباط.

وفي أعماقه، كان يتمنى لو يستطيع أن يكون أكثر توازنًا، لكن تلك الرغبة كانت تتلاشى كلما وجد نفسه متورطًا في مواقف غبية تستثير مشاعره.

وهكذا، بينما كان يحاول استيعاب مشاعره، رن في أذنيه صوت متهكم.

"أبا أربع عيون."

حينها ابتسم برفق وهو يناظر صديقه، الذي كان ينفخ خديه بعبوس، وعيناه الحمراوان تبرقان بحدة كأرنب صغير غاضب.

تلك النظرة الحادة، المفعمة بالتوتر، جعلت راي يشعر كأن صديقه يحاول أن يتظاهر بأنه في موقف قوة، رغم أن ملامح وجهه كانت تكشف عن ضعف غير مُعلن، ليرد عليه بعد لحظات:

"ها؟ لا أصدق أن الخرق باتت تتكلم حقًا."

كانت نبرة كاي تحمل طابعًا ساخرًا، لكن خلف الكلمات كانت هناك لمسة من الألفة والمودة. وفجأة، انفجر كاي قائلاً:

"أيها الوغد اللعين، أيجب أن تكون الكلمة الأخيرة لك دوماً؟"

كان صوته يعكس احتدام الموقف، لكنه في نفس الوقت يحمل لمحة من المرح، مما جعل الجو يبدو وكأنه ساحة معركة خفيفة بين الأصدقاء.

تلاعبت الابتسامة على شفتي راي، وهو يشعر بالتوتر يتلاشى قليلاً في ظل هذه المشاحنات الودية.

لكن الصراع الدائم في داخله لم يكن بعيدًا عن ذهنه، كانت تلك أيامهم المسالمة، رغم ما فيها من صعاب، إلا أن تلك السخرية والنكات كانت تخفف شيئًا من وطأة تلك الأيام.

كان يأمل لو أن تلك اللحظات لم تنتهِ، لو أنه لم يعلم تلك الحقيقة، لكن.. دوام الحال من المحال.

ففي خضم تلك الذكريات، ظهرت تلك الفراشة اللعينة بحركة جناحيها الرشيقة، لتجذبه من جديد، وتستفز في ذهنه آلاف الأسئلة.

طيفها الذي كان يودي به قتيلاً كلما زاره في الأحلام، والآن، وقد تجلت حقيقتها أمام عينيه، شعر بأنفاسه تختنق كما لو كان يحتضر ببطء تحت وطأة وجوده، حيث تداخلت مشاعر السعادة والقلق في قلب واحد.

ورغم ذلك، ورغم معرفته بذلك المصير، يجد نفسه في كل مرة مشدودًا لسحرها، منجذبًا وقد سلبت منه كل عقل.

زعزعت كيانه وهدمت أسوار عقله.

لذا، لم يكد يستفق إلا وقدماه تتبعان أثر جناحيها البراقين، مستسلمًا لسحرها، رغم كل ما كان يجري في داخليه.

..............................

الخرقة: ممسحة بيضة / قطعة قماش

السديم:

عندما يتناثر الضوء بواسطة جزيئات السديم، تظهر الأجسام الساطعة البعيدة أو الأضواء الساطعة من خلال السديم وكأنها مائلة إلى الصفرة أو الحمار، في حين تميل الأجسام المظلمة إلى الزرقة. وقد يكون لجزيئات السديم لون خاص يؤثر في تغير لون السديم. 

الجانح= المتنمر

اسم رايفين مشتق من الاسم الانجليزي Raven  ونطقو ريفين بس لاقدر دلعو راي😁 وبيعني الغراب✨






 

 


 

تعليقات