اللعنة
غمر الظلام كل شيء، كأن العالم قد انزلق إلى كابوس بلا نهاية.
كانت هناك ظلال ثقيلة تحجب كل شيء، كأنها تختبئ في زوايا عقله.
لم يكن هناك سوى السكون، سكون أحاطه كعناق قاسٍ، يثقله ويمنعه من الحركة.
وفجأة، بدأ نور خافت يتسلل إلى عينيه، مُخترقًا الحلكة، كأشعة الشمس التي تتسلل عبر ستائر مُثقلة بالغبار.
كان الضوء ساطعًا، لكن ببطء أخذ يُضيء المكان حوله، مُجبرًا إياه على مواجهة الواقع.
فتح عينيه ببطء، ونظراته مُحاطة بهالة من الضباب.
حاول التركيز، لكن الألم قفز إلى جسده كصاعقة.
تجمدت ملامحه، وارتسمت على وجهه تعابير الحيرة والصدمة.
"أين أنا؟"
استدار بنظره حتى تبينت له تفاصيل المكان، كانت السماء الصافية تمتد بلا نهاية أمام عينيه، ومن ثم أخفض بصره قليلاً، محاولًا فهم وضعه، إلا أن ما رآه جعله يتجمد في مكانه.
"هاه؟"
كانت الصخور حوله تتدلى بوحشية، وكأنها تهدد بابتلاعه في أي لحظة.
و... أقدامه؟، لماذا لا يراها إلا من هذه الزاوية الغريبة؟
"هذا.."
عندها أدرك ذلك، كان جسده معلقاً رأسًا على عقب بأعلى الجرف، لتندفع موجة من الرعب إلى قلبه.
بدأ يحرك ذراعيه بمحاولة للصعود، إلا أن الألم اجتاح جسده كتيار كهربائي، مُذكرًا إياه بما تعرض له من ضرب.
تملكه شعور بالدوار، وكأن الأرض تدور من حوله، كل شيء يختلط في ذهنه كصور ضبابية لا يمكن تمييزها.
ثم تدافعت ذكريات الماضي في عقله، مشوشة وغير واضحة، كما لو كانت تتلاشى في ضباب كثيف.
لم يكن باستطاعته استعادة تفاصيل الأحداث بوضوح، إلا أن صورة تشيونغ ميونغ كانت ماثلة في ذهنه كالكابوس.
وقد كان وجهه مشوّهًا بعبوسٍ عميق، وعيناه تتألقان كجمرتين متقدتين، تحملان ثورة لا يمكن إخمادها.
"لم يكن يجب أن أثير غضبه"
همس لنفسه، بينما كانت الذكريات تتسارع، مشهد تشيونغ ميونغ وهو ينقض عليه، وكيف كانت الضربات تتساقط عليه كالمطر.
كل ضربة كانت تحمل معها وابلًا من الألم، وكأن كل جزء من جسده كان يُعاقب على شيء لم يقترفه.
كانت تلك اللحظات مشوشة، ولكن كانت واضحة بما يكفي لتجعل قلبه يتسارع.
"ها؟ أعد ما قلته؟ تشونما؟؟"
"طفل لم تجف دماء رأسه يناقشني في الحرب؟؟"
كانت تلك الكلمات تتردد في أذنه، وكأن كل ضربة كانت تُشعره بأنه على شفا الهاوية، تحطم روحه قبل جسده.
وفجأة، انقض عليه الألم كنصل الحاد.
تذكر كيف سقط، كيف فقد الوعي، وكأن الظلام قد ابتلعه في لحظة واحدة.
استجمع كل ما تبقى لديه من قوة.
زفر بعمق، شعر بالهواء يملأ رئتيه مثل وقود الحياة، ثم بدأ يحرك جسده بعزم أكبر.
تدحرج قليلاً، مُستعينًا بجاذبية الأرض، وحاول تثبيت قدميه على حافة الجرف.
كانت أصابعه تتلمس الصخور الوعرة، وجرح عميق في ذراعه يشتعل بالألم.
بدأ يرفع جسده، ذراعه الأضعف تُجاهد لأخذ الدعم من الصخور.
وبعد عدة محاولات، استطاع أن يثبت قدميه على حافة الجرف.
قلبه ينبض بشدة، والدوار لا يزال يسيطر عليه، لكنه كان قريبًا من الحرية.
ببطء، استخدم ذراعيه ليدفع بجسده للأعلى، وكأن كل عضلة في جسمه كانت تصرخ، لكن الغضب الذي تملكه أعطاه القوة للاستمرار.
أخيرا، بعد جهد مضنٍ، تمكن من سحب نفسه إلى أعلى الجرف، ليلقي بجسده على الأرض وهو يلهث.
"ذلك المجنون..أيعلق شخصاً فاقداً الوعي من الجرف؟!"
استعاد نفسه للحظة، ثم نهض ببطء، محاولًا استعادة توازنه.
الغضب كان يتأجج داخله، وكأن كل خطوة يخطوها نحو أسفل الجبل تحمل معه شحنة من الاستياء.
"الشيطان"،
تمتم، والشتائم لا تزال تتدفق من شفتيه.
بدأ يهبط، وكل خطوة كانت كعقوبة.
الصخور الوعرة تحت قدميه كانت تؤلمه، لكن ذلك لم يكن شيئًا مقارنةً بالألم النفسي الذي يحمله.
"ما الذي يفكر به بحق الإله؟"
تساءل، بينما كانت الأفكار تشتعل في رأسه كالنيران.
مع كل خطوة، كانت مشاعره تتضخم.
لكن، وعندما وصل إلى نقطة أقل انحدارًا، توقفت خطواته فجاة، وراح يحدق بالمكان من حوله.
'ما الذي يجري هنا؟'
..................
كان تشيونغ ميونغ مستلقياً تحت شجرة قديمة، ورقها يتراقص برقة مع نسيم الظهيرة.
وأشعة الشمس تتخلل الأغصان لتلقي ظلالًا متقطعة على وجهه، كأنها تعزف لحناً هادئًا من الضوء والظل.
عينيه، اللتين كانت تعكسان عمق القلق، كانت مغلقة الآن، وكأنه قد غرق في نومٍ ثقيل.
قبل قليل، كان قد ابتعد عن الغرفة التي احتضنت الفوضى والضجيج، منزعجًا من الطفل الذي ظهر فجأة في حياته كعاصفة غير متوقعة.
"من هو هذا اللعين بجق؟"
كانت تلك الأفكار تتكرر في رأسه، لكن الآن، في هذا المكان الهادئ، تمكن من إبعادها مؤقتًا.
تبدلت ملامح وجهه أثناء النوم، فتحت حاجبيه قليلاً كأنه يحلم بمكان بعيد.
لكن حتى في نومه، كان جسده مشدودًا، كأن الهموم لا تزال تلقي بثقلها عليه.
أذنه كانت تلتقط أصوات الطبيعة من حوله، همسات الرياح وخرير الماء القريب، لكنها لم تكن كافية لطرد القلق الذي يسكن قلبه.
بينما كان يُحتضن بأذرع النوم، جاءت صورة الطفل إلى ذهنه، بعينيه اللامعتين وابتسامته الغامضة.
"هذا مستحيل"
همس في حلمه، وكأن الكلمات تسللت من شفتيه دون وعي.
لكن سرعان ما غمره السكون مرة أخرى، في ظل الشجرة التي كانت تحميه، بينما كانت أفكاره تتلاشى في فضاء الحلم، محاولة الهروب من الواقع الذي يطارده.
وأخيرًا، استطاع تشيونغ ميونغ أن ينام بشكل جيد.
فمنذ أن ظهر هذا الطفل، بدأت الكوابيس تحاصر تشيونغ ميونغ كغيمة داكنة تتجمع في سماء روحه، تستنزف كل بارقة أمل.
كلما أغمض عينيه، كان يرى جبل هوا المنهار، تتساقط صخوره كالأحلام المحطمة، بينما تتجول أشباح رفاقه في عقله، وجوههم مشوهة بالألم، وعيونهم تومض بالعتاب.
كان يشعر بأنه الوحيد القادر على إحياء طائفته، لكن ذلك العبء الثقيل كان يثقل كاهله كصخرة لا تُحتمل.
الليل يلتف حوله كعباءة قاتمة، وذكريات الفراق تتسلل إلى عقله كخنجر يغرس في قلبه.
عبر وجهه تجلت ملامح العذاب، عينيه تتسعان من القلق، وفمه ينطق بمشاعر غير مسموعة.
كأن كل نبضة من قلبه تذكره بفشله، مما جعله يشعر كأنه عالق في جحيم لا مفر منه.
عمله المتواصل لم يكن كافيًا لتشتيت أفكاره، بل كان يزيد من وطأة الذنب الذي يحيط به كالسلاسل.
"كان يجب أن أموت معكم"،
كانت تلك الفكرة تتردد في عقله كصدى جريح، تتبعثر في زوايا روحه.
ميتًا بين الأحياء، حيًا بين الأموات، كشبح تائه، ظل طريقه، يراقب الآخرين من بعيد، بينما كانت الحياة تتدفق حوله بلا مبالاة.
وفي كل مرة يستيقظ مفزوعًا، يلهث وكأن قلبه قد انفجر، وكأن صرخات رفاقه تتردد في أذنه.
لذا كان يسارع إلى غرفة أخيه، يركض كطفل ضائع يبحث عن ملاذ آمن.
وعندما يدخل الغرفة، كانت ابتسامة أخيه تتألق كالشمس بعد عاصفة، تضيء المكان وتملأه بالدفء.
تلك الابتسامة كانت بمثابة دواء لروحه التي تفتت، وكأنها تعيد له شيئًا من الأمل المفقود.
كان يقف هناك، يراقب أخاه، وكلما استقر نظره عليه، تهدأ أنفاسه المضطربة، لكن القلق كان يظل كظل ثقيل لا يفارقه، يتربص في زوايا عقله.
وجه أخيه، الذي بدا كالأرض الخصبة بعد المطر، كان يمنحه شعورًا مؤقتًا بالسلام، لكن في أعماق نفسه، كانت هناك دوامة من المخاوف تتلاطم.
"ماذا لو حدث شيء؟"
كان يتساءل في صمت، كأن الكلمات تعلق في حلقه.
أصبحت تلك الأفكار أشباحًا تطارده، تتسلل إلى قلبه كخيوط العنكبوت، تنسج شبكة من الفزع حول كيانه.
كان يتمنى أن يختفي القلق، لكنه كان يواجه حقيقة مريرة؛ فكل لحظة من السعادة يمكن أن تتلاشى في غمضة عين.
لكن الآن، وبشكل غريب، كان الهدوء يلف المكان كعباءة دافئة، كأنه يحاول احتضانه، مهدئًا نبضات قلبه.
في تلك اللحظة، عندما استلقى مجددًا، استشعر أن العالم الخارجي قد تلاشى، تاركًا له مساحة ليعيد بناء روحه الجريحة.
دون أن يدرك، كانت عينيه تغلقان ببطء، ليحلق بعيدًا عن كل ما يثقل كاهله، تاركًا خلفه ذكريات مؤلمة، وكأنها أصداء تتلاشى في الأفق.
وهكذا استمر في النوم بسلام، وكأن تلك العزلة قد منحته فرصة ليتنفس من جديد، ليعيد ترتيب أفكاره المشتتة.
.......................
تشيونغ ميونغ، الذي كان غارقًا في سكون الليل، شعر بحركة قريبة منه.
فتح عينيه فجأة، وكأن جرس إنذار قد دُق في عقله، ليحرك سيفه بسرعة نحو رقبة الشخص الذي اقترب منه.
لكن تجمد في مكانه عندما رؤية الطفل الصغير، الذي راخ يرتجف على الأرض بخوف، وعينيه تتسعان كعيني غزال في مواجهة خطر.
ثم سقط على الأرض، مظهرًا علامات الضعف، إلا أن تشيونغ ميونغ لم يكن يخدع؛ كان يدرك أن هذا التظاهر لا يعدو كونه وسيلة لجذب الشفقة.
أطلق زفرة عميقة، وكأن هموم الحياة قد انهمرت على كتفيه من جديد.
بينما عكس وجهه انزعاجًا واضحًا؛ وكان حاجباه مشدودان، وفمه يعبس كأنه يتذوق طعمًا مرًا.
أعاد سيفه إلى غمده ببطء، حركاته تشير إلى تردد، كما لو كان يتساءل عن كيف تحولت هذه اللحظة من الهدوء إلى الفوضى.
"ما الذي تفعله الآن؟"
سأل بصوت منخفض، لكن نبرته كانت تحمل شرارة من الغضب المكبوت.
.............................
في عمق ساحة التدريب، حيث تتشابك أشعة الشمس مع ظلال الأشجار الكثيفة، كانت الأجواء مشبعة بالتوتر والتهديد، كأنها تترقب لحظة الانفجار.
الأرض كانت مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار، مما أعطى المكان طابعًا عتيقًا، وكأن كل ذرة فيه تروي قصة من الشجاعة والفشل.
في الزوايا، كانت الألواح الخشبية المحطمة تشير إلى صراع دار في المكان، مما يزيد من حدّة التوتر في الأجواء.
وفي وسط الساحة، وقف تشيونغ ميونغ، كأنه عمود من القوة والثبات.
كان يتلاعب بسيفه بخفة وبملل، بينما كانت عينيه تحدقان في السيوف المتناثرة على الأرض، غير قادرة على الحراك.
كان وجهه يعكس مزيجًا فريدًا من المشاعر، حيث حملت ملامحه طابع الملل والسخرية في آن واحد.
عينيه، اللتين كانتا تلمعان بريقًا حادًا، تجولتا على السيوف بتجاهل واضح، وكأنما تبحثان عن أي لمحة من الجدية بينهم.
وكان حاجباه كانا مرفوعين قليلاً، مما أضفى على وجهه تعبيرًا من الاستهجان، بينما كانت زاوية فمه ترفع بشكل طفيف، وكأنما يسخر من محاولاتهم الفاشلة.
إلا أن عينيه قد احتفظتا بجديتهما، مما خلق تباينًا مثيرًا بين الاستهزاء والتهديد.
خلا المكان من أي صوت سوى نقرات لسانه على أسنانه، التي كانت تعبر عن إحباطه.
"تسك تسك أهذا كل ما لديكم؟"
السيوف، الذين سمعوا سخريته، لم يكونوا قادرين على الرد، وقد عانوا من الألم والإخفاق على مدى الأيام العشر الماضية.
حاولوا إصابة تشيونغ ميونغ بلا فائدة، بينما كان يقف بثبات في وسط الدائرة التي رسموها حوله، كأنما هو محور عالمهم المظلم.
بينما كانوا يبذلون كل جهدهم، لم يبدُ على تشيونغ ميونغ أي أثر للتعب أو الإرهاق. شعور القوة كان يحيط به كالهالة، وكأن الهواء نفسه يمتنع عن الاقتراب منه.
لم يدركوا ذلك سابقًا، أن تشيونغ ميونغ، الذي عرفوه باسم "الشيطان"، كان يحمل في طياته رحمة خفية.
لكن الشخص الذي يقف أمامهم الآن كان تجسيدًا للقوة المطلقة، لا يرحم، ولا يسمح لهم حتى بالاقتراب.
"كيف بحق بإمكاننا خدشه؟"
تمتم بايك تشيون بصوت منخفض، كأن الكلمات تتعثر في حلقه.
كان يشد قبضتيه في الأرض، مستندًا بصعوبة، يحاول أن يرفع جسده المثقل بالألم.
وملامح وجهه تعكس الإحباط والخوف، في حين اتسعت عيناه في قلق، كأنما تبحثان عن إجابة لا وجود لها.
كما تبعه البقية، كل منهم يحاول النهوض، لكن التعب بدأ يتسرب إلى عظامهم، وكأن كل حركة كانت تحديًا جديدًا.
كانت الأجواء مشحونة بالضغط، تملأ المكان برائحة العرق والقلق، بينما كانت أشعة الشمس تغمر الساحة، ترسم ظلالًا متراقصة على الأرض.
اليوم كان هو آخر يوم في المهلة التي منحهم إياها.
إذا لم يستطيعوا فعل ذلك اليوم، لا بد أن يخبروه الحقيقة.
لكن ذلك…
"تباً"،
انفجرت الكلمات من بين شفتي بايك، وكأنها صرخة يأس، تعبر عن القلق الذي كان يعتمل في داخله.
كانت لحظاتهم تتلاشى كالسحاب في سماء خريفية، وكل نبضة من قلوبهم ترن في آذانهم كجرس إنذار، تدعوهم إلى اتخاذ القرار.
الضغط في أجواء الساحة كان كثيفًا، مثل ضباب يحيط بهم، مما يزيد من حدة التوتر.
ورغم ذلك اندفع السيوف نحو تشيونغ ميونغ كالسهم، وكأنهم قد اتفقوا على الهجوم في ذات اللحظة.
وكان جوغول هو من انطلق أولاً، مفعمًا بالقوة والحماسة، كان يعض على شفتيه في تركيز.
وسيفه كان سريعًا وقويًا، يتلألأ في ضوء الشمس، كأنه يحمل وعود النصر.
تبعته يوي سول، التي بدأت تدعم جوغول بشكل خفي، تتسلل بين الظلال كفراشة في حقل زهور، عازمة على استغلال أي فرصة للانقضاض.
بينما كان الراهب يستعد للهجوم، قبضتا يديه مشحونتان بالطاقة الداخلية، تتلألأ مثل الشهب، محملة بقوة روحية.
وفي تلك الأثناء، كان بايك تشيون يقف متأملًا، يبحث في عيني تشيونغ ميونغ عن أي ثغرات، لكن جهوده كانت بلا فائدة.
كان يكتشف أنه يقف أمام جدار لا يمكن اختراقه، كأن كل ما فيه من قوة وذكاء يكتنفه سحابة من الغموض.
مع اندفاعهم، ارتسمت ابتسامة مستمتعة على شفتي تشيونغ ميونغ، أبرزت أنيابه كأنما هو وحش في خضم المعركة.
رفع سيفه، وعندما اقترب جوغول، دفع بطرفه الخلفي بقوة نحو معدته، مما أطلقه في الهواء مثل ريشة، يحلق بعيدًا وبسرعة دون أن يبال له.
سمع صرخته وهي تتلاشى في الأفق، بينما كانت الأرض ترتجف تحت وطأة الضربة.
وفي الحين ذاته، قام بركل هايون، دافعًا إياه نحو يوي سول، مما أضاف عنصر المفاجأة إلى المعركة.
كان هايون يتدحرج على الأرض، مما أفسد توازن يوي سول، وجعلها تتعثر وتفقد تركيزها للحظات.
وهكذا ترك بايك تشيون وحده في مواجهة تشيونغ ميونغ، بينما الساحة تحاصره بأجواء مشحونة بالتوتر.
كانت الأنفاس تتعالى، بينما كانت عيون المتفرجين تتعلق بكل حركة، وكأنهم يشاهدون عرضًا مسرحيًا حقيقيًا.
بمزيج من الجرأة والقلق، تقدم بايك خطوة للأمام، عازمًا على مواجهة هذا العملاق الذي يقف أمامه.
وفي تلك الأثناء كان يون جونغ يحدق بالمشهد أمامه، عينيه تتألقان بالحماسة بينما كان يقبض على يديه بقوة، يعض على شفتيه حتى كادت أن تنزف.
كان الغضب يغلي بداخله، مترافقًا مع إحباط عميق لعجزه عن المشاركة في هذه المعركة.
شعور الضعف كان يضغط على صدره، وكأنه يحمل جبلًا من المسؤولية.
وبينما كان قلبه ينبض بسرعة، رن صوت تشيونغ ميونغ البارد في المكان، يتردد كالصدى في أذنه.
"لما لا تستسلمون فقط؟ ليس هناك جدوى من الاستمرار في هذا. بدأ الأمر يصبح أكثر فأكثر مللاً."
كانت كلمات تشيونغ ميونغ تتدفق من شفتيه كالسُم، تحمل في طياتها استهزاءً واضحًا.
وفي تلك اللحظة، استحضر بايك تشيون في ذهنه كل التدريب الجحيمي الذي خضعوا له، وكل الجهود التي بذلوها في سبيل تعزيز قوتهم.
لكنه الآن، في خضم المعركة، شعر بقدراته تتلاشى كأنها تتبخر في الهواء البارد.
لم يكن مجرد شعور بالضعف؛ بل كان كأن روح القتال قد سُلبت منه، تاركةً إياه في حالة من الفوضى الداخلية.
بينما كان مشهد المعركة يتصاعد من حوله، استمر صوت تشيونغ ميونغ في الارتداد في ذهنه، كأنه يقف فوق جرف عالٍ، يتحدى الجميع بنظرة متغطرسة.
تلك النظرة كانت تزيد من شعور الإحباط الذي يعيشه بايك، كأنها تُذكّره بأنه لا يزال بعيدًا عن تحقيق أهدافه.
"لا يمكنني الاستسلام…"
همس في نفسه، محاولًا تجميع شتات أفكاره المبعثرة كأوراق في مهب الريح.
وبينما كان يعتزم اتخاذ خطوة، استطاع رؤية ذلك: ثغرة خفية انكشفت أمامه كفجوة في جدار.
كان الأمر للحظة واحدة، لكن يد تشيونغ ميونغ ارتجفت بشكل طفيف، واتجه بصره بعيدًا عنهم، كأنه فقد تركيزه.
لم يفوت بايك تشيون تلك الفرصة.
انطلق مسرعًا نحو تشيونغ ميونغ، قلبه ينبض بقوة، وعقله مليء بالتصميم.
بدأت طاقته الداخلية تتجمع على طرف سيفه، وتشكل بتلات البرقوق التي راحت تتزايد شيئًا فشيئًا، حتى غطت المكان برائحة عطرة، وكأنها تعبر عن قوة الحياة نفسها.
لم تكن بروعة أزهار تشيونغ ميونغ وحدتها ، لكن كان لها جمالها وقوتها الخاصة.
كان بإمكان بايك أن يشعر بتلك الطاقة تتدفق من داخله، تنبض بالحياة، وكأن قوة الطبيعة قد اجتاحت كيانه.
اندفعت بتلات البرقوق نحو تشيونغ ميونغ كسيول جارف، تتراقص في الهواء بمرح، كأنها تحمل رسالة حماسية من قلب المعركة، تعبر عن إرادة قوية لا تعرف الاستسلام.
تلك اللحظة تجمع بين الفوضى والجمال، إذ اختلطت ألوان الطبيعة مع ألوان المعركة، مما جعل كل شيء يبدو كحلم مشوش.
ارتسمت على وجه بايك تشيون ملامح عزم لا يلين، وكأن كل ما مر به من معاناة وتدريب قد تبلور في تلك اللحظة، مما جعله يشعر بشعور جديد من القوة والثقة.
كانت عينيه تتألقان بالتحدي، بينما كانت عضلاته مشدودة، مستعدة للانقضاض.
لكن ثقته تلك سرعان ما بدأت تذوب بسرعة عند رؤية ابتسامة تشيونغ ميونغ التي برزت.
ثم قام تشيونغ ميونغ بحركة دقيقة وسريعة، لوح بسيفه بمهارة تنم عن سنوات من التدريب والخبرة، مما أدى إلى تلاشي بتلات بايك تشيون كحلم يتبدد في ضوء الفجر.
كانت البتلات تتلاشى في الهواء، وتختفي كما لو كانت سحرًا لم يعد له وجود، مما زاد من حدة المشهد وشعور الهزيمة.
تسارعت دقات قلب بايك تشيون، وبدأت عينيه تتسعان في يأس، كأنما أدرك فجأة أن الفرصة قد ضاعت منه للأبد.
كان الإحباط يتسلل إلى أعماقه، كظلمة تكتسح النور، بينما كان يتجمد في مكانه، غير قادر على الحركة.
وبهذا، انتهت عاصفة البتلات، وسقط بايك تشيون بعيدًا بعد أن دفعه تشيونغ ميونغ بقدمه، مما أخرج منه صرخة مكتومة.
............................
الطفل، الذي لا يزال جاثمًا على الأرض، نظر إليه بعينين تعكسان براءة مُشوبة بالخوف.
تردد الطفل للحظات، ثم نهض ببطء، وكأن كل حركة كانت تتطلب شجاعة كبيرة، ليقترب من تشيونغ ميونغ، مقدماً له وشاحًا صغيرًا بأطراف مرتعشة.
كان الوشاح يتدلى من يديه كرمز للبراءة وكأنه يحاول أن يقدم شيئًا من الأمان.
عبر وجه تشيونغ ميونغ، تجلى عدم الارتياح بوضوح، وتحول إزعاجه إلى عبوس عند رؤية الوشاح.
"ما هذا؟"
سأل، صوته يختلط بالدهشة.
الطفل، مع صوت مرتجف وكلمات تتعثر في حلقه، قال:
"ظننت أنك تشعر بالبرد، لذا أردت…"
لكنه لم يكمل، فدموعه بدأت تتجمع في عينيه، تلمع كنجوم ضعيفة في سماء حالكة، مما دفع تشيونغ ميونغ، الذي كان يفرك مؤخرة رأسه بارتباك، إلى أخذ الوشاح برفق.
ومن ثم ارتدى تشيونغ ميونغ الوشاح، الذي كان يحمل لمسة من الدفء، وسمح لنفسه بالتراجع خطوة إلى الوراء، مغمورًا في مشاعر متناقضة.
لكن سرعان ما اجتاحه شعور غريب، ألم مفاجئ تدفق في عظامه، كالسيل الجارف، ينهش في جسده وكأن كل خلية فيه تتعرض للتمزق.
كأنما تمسك به يدي قدر قاسية، تضغط على صدره وتخنق أنفاسه.
شعر وكأن ذراعه تتفكك ببطء، تتقافز فيها آلام حادة تشبه وخزات الخناجر.
كانت تلك اللحظات تفصل بين الوعي وفقدان السيطرة، وكأن الألم نفسه كان كائنًا حيًا، يتلذذ بمعاناته.
ثم التفت نحو الطفل، الذي كان يقف مبتسمًا كعادته، لكن هذه المرة، بدت تلك الابتسامة تحمل ظلالًا من الغموض، كأنها تخفي سرًا قاتمًا.
حينها بدأ الطفل يتكلم، لكن نبرته تغيرت، اختفت تلك الطفولة من صوته، ليحل محلها نبرة غريبة ومريبة.
"كيف هذا؟ ألا يبدو هذا الألم حياً؟"
سأل، وكأن الكلمات تتسلل من بين شفتيه كالأشواك.
"ما الذي فعلته بي، أيها اللعين؟"
صاح تشيونغ ميونغ، والغضب يتسرب إلى وجهه، مضيئًا ملامحه بشعلة من الكراهية.
لكن جسده كان يرفض الاستجابة، وكأنه مربوط بسلاسل غير مرئية، غير قادر على هز الطفل أو حتى الاقتراب منه.
"لا أعلم ما الذي تتحدث عنه. كان هذا هو الوضع الطبيعي، أنا فقط أعيد الأمور لنصابها."
رد الطفل، عينيه تلمعان ببرود غير مألوف، وكأنما يستمتع بالتوتر الذي يحيط به.
في تلك اللحظة، اختلطت مشاعر الغضب والشك في قلب تشيونغ ميونغ، كأنما كانت الأمواج تتلاطم في داخله.
وفي الفضاء المحيط، بدأ الهواء يثقل، وكأن الطبيعة نفسها تراقب تلك المواجهة الغريبة، بينما كانت الأضواء تتراقص حولهما كأنها تشهد على صراع بين الأمل واليأس.
...........................
ظل السيوف متسمرين في أماكنهم، عاجزين عن التنفس، كتماثيل من حجر، ينتظرون حكم تشيونغ ميونغ، الذي كان يتحكم في مصيرهم بكل برود، تلك اللحظة التي بدت كأنها أبدية، محاطة بالصمت المشحون بالتوتر.
كان الصمت يلف المكان، وكأن العالم بأسره قد توقف لحظة، بينما كانت أعينهم تتجه نحو تشيونغ ميونغ، الذي كان يراقبهم بابتسامة تحمل في طياتها كل قسوة المعركة.
فجأة، تفاجؤوا بسماع نبرة تشيونغ ميونغ المنزعجة بدلاً من تلك الساخرة التي اعتادوا عليها.
"تسك، آه، هذا مزعج اللعنة"
كانت كلماته تنفجر في الهواء كالصوت المدوي.
رفع بايك تشيون بصره بتردد نحو تشيونغ ميونغ، وفي تلك اللحظة، لاحظ شيئًا غريبًا.
كان خدشًا طفيفًا وصغيرًا لدرجة أنه من الصعب رؤيته، لكنه كان هناك، علامة على نجاحهم.
"هذا.. نحن..."
"فعلناها!"
صاح جوغول بسعادة بينما قفز في الهواء، كأن كل الألم الذي كان في جسده قد تلاشى في تلك اللحظة.
كانت عينيه تتلألآن بالأمل، وكأن الحياة قد عادت إليه من جديد.
ويوي سول بجانبه، بدت تعابيرها الجامدة عادة أكثر لطافة، كأن ثقل المعركة قد انزاح عن كاهلها.
كان هناك شعور بالتحرر يملأ الساحة، كأنهم قد انتزعوا من مصير مظلم.
على الأرض، استلقى الراهب هايون، وقد استنفد كل طاقته العقلية والجسدية.
كان هو المتضرر الأكبر من كشف هوياتهم، لكن الآن، وقد بات بإمكانهم الاحتفاظ بسرهم، شعر بارتياح غريب، كأن عبئًا ثقيلًا قد أزيح عنه.
هدأت أنفاسهم المضطربة، وكأنهم قد خرجوا من نفق مظلم إلى ضوء جديد.
كانت الأجواء في الساحة تتغير، من مشحونة بالتوتر إلى مفعمة بالأمل.
لكن أصواتهم الصاخبة هدأت فجأة عند سماع التنهيدة العميقة لتشيونغ ميونغ.
التفت الجميع نحوه، وكأنما سحرهم حضورُه، ثم لاحظوا الرباط الأخضر الذي كان يربط شعره قد انقطع، ليتناثر شعره الأسود على كتفيه مثل شلال من الليل.
كانت تلك اللحظة تحمل في طياتها شيئًا غير عادي، وكأن الزمن قد توقف.
سقط الرباط على الأرض بحركة بطيئة، بينما كان الهواء يسلب من المكان، كأن السكون قد تجمع حوله.
لم يعلم السيوف السبب، لكن ذلك الرباط بدا عزيزًا على تشيونغ ميونغ، لذا بدأ شعور من الخوف يتسلل إلى قلوبهم.
تخيلوا ردة فعله، وكأنهم يرون وحشاً هائجاً ينقض عليهم، يضرب رؤوسهم بقوة، لكن وعلى غير المتوقع، كانت ردة فعله هادئة للغاية، لا بل أكثر برودة من أي وقت مضى.
تقدم بخطوات بطيئة نحو الرباط، وكانت ملامحه تعكس نوعًا من التأمل العميق، كأنه يواجه شيئًا أكثر من مجرد قطعة من القماش.
ولكن قبل أن تلامس يداه الرباط، جاءت نسمة من الرياح، تسلبه منه، وتحمله بعيدًا كأنه حلم يتلاشى في ضوء النهار.
عصفت الرياح بشعر تشيونغ ميونغ، مما أضفى عليه هالة من الغموض والضعف في آن واحد.
وأخيرًا، استقر الرباط في يد أحدهم، حيث ظل تشيونغ ميونغ يحدق به بصمت، كأن الكلمات قد خانته.
كانت عينيه تعكسان صراعًا داخليًا، بينما كان قلبه ينبض بشعور من التوتر.
ارتسمت على شفتَي الشخص الذي التقط الرباط ابتسامة مرحة، وكأنه يجد متعة في تلك اللحظة.
تقدم نحو تشيونغ ميونغ، بينما يراقبه الجميع بترقب، وكأنهم ينتظرون لحظة حاسمة في عرض مسرحي.
كان بإمكان السيوف الخمس رؤية ارتعاشة يد تشيونغ ميونغ الخافتة، والتعبير الغريب الذي أبداه، تعبير مليء بالحنين، إلا أنه سرعان ما تلاشى ليحل محله ابتسامة خفيفة، كأنما كان يحاول استعادة رباطة جأشه.
تقدم الرجل بخطى ثابتة، وشعره البني ينسدل بأناقة خلفه، ولكن أكثر ما جذب الانتباه هو العصابة التي غطت إحدى عينيه.
بينما كان بريق العين الأخرى يلمع بلون أخضر خافت، يشبه عمق الغابات المظلمة، وكأنه يحمل أسرارًا لا تُفصح.
أخيرًا، توقفت خطواته أمام تشيونغ ميونغ، وقدم له الرباط من جديد بحركة مليئة بالثقة.
"هيونغ، ألا يمكنك الاحتفاظ بهم؟ لما تستمر بإضاعتهم بحق؟"
بينما كانت الساحة محاطة بالصمت، كانت تلك اللحظة تتوهج بالكثير من المعاني، وكأنها تفتح نافذة جديدة على عالم مليء بالتحديات والمشاعر المتباينة.
كانت الرياح تعصف من جديد، تحمل معها عبق البرقوق، كأن الطبيعة نفسها كانت تشهد على تلك اللحظة الفريدة
.....................................................................
على قمة الجبل الذي صار جحيمًا أحمر بفعل الدماء، وقفت شخصية وحيدة، كالشجرة العارية في فصل الشتاء.
كان جسده يئن تحت ثقل الألم، كل عظمة فيه تصرخ وكأنها تعبر عن معاناتها.
ذراعه المقطوعة كانت تذكره بتلك المعارك التي لا تنتهي، حيث كانت الجثث المكدسة حوله تشهد على فظائع لا يمكن نسيانها.
لكن ورغم تلك المعاناة الجسدية، كان يضغط على نفسه بقوة، محاولًا انتشال جسد أخيه من تحت أكوام الموت.
كانت يده ترتجف، وهو يمسك بجسده، ليشعر ببرودة الموت تتسلل إلى عظامه، كما لو كانت تدعوه للانزلاق إلى هاوية اليأس.
وأخيرًا، بعد جهد مرهق، استطاع أن يخرج أخاه من تحت تلك الجثث، لكن ما رأته عيناه كان مصدر فزعه.
جسد أخيه، الذي كان يومًا ما مليئًا بالحياة، الآن صار بارداً كحجر، وأنفاسه خافتة، تكاد تكون غير موجودة.
الرعب تسلل إلى قلبه كالأفعى، يلتف حوله ويخنقه، الخوف من فقدان أخيه إلى الأبد.
تمكن شعور العجز من السيطرة على عقله، كما لو كانت القيود تلتف حول معصميه، تمنعه من القيام بأي شيء.
كل ما كان يعرفه من حيل الطاقة لم يكن مجديًا هنا، وكأن تلك المعرفة أصبحت بلا قيمة في مواجهة الموت.
أحاط صمت مهيب في المكان، وكأن الطبيعة نفسها كانت تندب الأرواح التي فقدت في هذه المجزرة.
كانت دموعه تتجمع في عينيه، لكن كبرياءه كان يمنعه من الانهيار.
لتخرج من فمه صرخة وكأنها آتية من أعماق بئر مظلم، حيث تتردد الأصداء بلا نهاية.
"اللعنة"
انتهت الحرب اللعينة أخيرًا، لكن في مقابل ذلك، لم يتبقَّ له شيء.
كان كالجذع المقطوع، يواجه عواصف الحياة بلا جذور.
الشخص الوحيد الذي كان يعتز به، والده، الذي رباه ، وأخاه، الذي كان زعيم طائفته وقدوته، تركوراءه خيوطًا من الذكريات التي كانت تلتف حول قلبه كعاصفة.
لطالما طارد ظله، محاولًا أن يكون مثله، رغم إدراكه العميق لاستحالة ذلك.
كان أخاه هو النجم المضيء في سماء حياته، والآن، أمام عينيه، كان يشهد ذلك النجم وهو يهوي.
كانت حياته تتسلل ببطء، كالماء الذي ينساب من بين الأصابع، وأنفاسه تتلاشى أمامه، كدخانٍ يندثر في الهواء.
شعور عميق بالعجز كبل جسده، وكأن سلاسل ثقيلة تعيق حركته، وترهق كيانه.
تاهت نظراته باحثة عن مخ ج من هذا الكابوس، لكن كان الفراغ هو كل ما لقيه.
شوه وجهه، واحتقنت عيناه باليأس، وكأن كل دمعة لم تُسقط بعد تكفي لتغرقه في محيط من العزلة.
لكن، وفي ظل ذلك اليأس، سمع صوتًا مرهقًا خافتًا يدعوه، يتردد في أذنه كهمس الرياح في ليلة عاصفة.
"هيونغ؟"
اهتز جسد تشيونغ ميونغ، وارتعشت يداه عند سماع هذا الصوت.
تردد للحظة، خائفًا من أن يكون هذا الصوت المألوف وهماً نسجه خياله المشتت.
لكن النداء تكرر مرة أخرى، كصدى لا يمكن تجاهله.
"هيونغ!"
"هيونغ، ما الذي تفكر فيه الآن؟"
فتح تشيونغ ميونغ عينيه بدهشة، وكأنما استيقظ من غفوة عميقة.
راح يتأمل المكان من حوله، محاولًا فهم ما يحدث.
لم يكن هناك أي أثر للدماء أو الجثث المروعة التي عانقها في كوابيسه.
بل ما كان أمام عينيه التلاميذ الصغار للطائفة، والسيوف اللذين تراموا في الأرض منهكين، استمر قتالهم مع تشيونغ ميونغ عشر أيام بلياليها.
كانت أعينهم وهي تترقبه تلمع بشيء من الدهشة والقلق.
وسط هذا كله، تردد صوت مألوف إلى أذنه، يقطع خيوط التفكير.
"هيونغ؟"
التفت تشيونغ ميونغ نحو صاحب الصوت، وبدت تعابير وجهه المنذهل تتبدل إلى أخرى عابسة، لكن حاجبيه ارتعشا بحركة طفيفة، تعبيرًا عن السعادة التي تغمره لرؤية صديقه.
"بحق هيونغ، لما تستمر بإضاعتهم هكذا؟ ما الذي ستفعله بدوني؟"
"ما هذا الهراء الذي تقوله؟"
رد عليه تشيونغ ميونغ بنبرة ساخرة، بينما كانت ابتسامة خفيفة تتسلل إلى شفتيه، كأنما تشرق شمس جديدة بعد عاصفة.
أخذ رباط الشعر من يده بقوة، وبدأ يحاول ربط شعره، لكن المهمة كانت صعبة بيد واحدة، كمن يحاول تسلق جبل زلق.
تعابير وجهه كانت تتأرجح بين الإحباط والمرح. .
وفي تلك الأثناء، كان تانغ بو يحدق به بصمت، كأنما يحاول فك شيفرة معقدة، مما جعل الانزعاج يتسرب إليه.
قطب حاجبيه بغضب وسأل باستنكار:
"ماذا؟"
"مهما نظرت للأمر، أجده غريبًا."
"ما هو؟"
"هيونغ هو... بفتت... المحارب الشهم.. بفتتت بواهاهاهههههاهاهاها!"
انفجر تانغ بو فجأة بالضحك، وكأن قنبلة قد انفجرت في مكان هادئ، بينما راح يخبط قدمه بالأرض بفرح.
في حين توقف تشيونغ ميونغ للحظة، محدقًا به باستغراب، قبل أن يتسلل الغضب إلى وجهه.
و بسرعة، أعاد الرباط إلى جيبه، تاركًا شعره ينسدل بحرية على كتفيه، كأمواج بحرية تتلاطم على الصخور.
وضع يده على كتف تانغ بو، الذي كان جسده يهتز بشدة من الضحك وسط ذهول جميع التلاميذ.
حين شعر تانغ بو بلمس يده توقف فجأة عن الضحك، وعَرَق بارد يتصبب من جبينه، كأنه أدرك أنه اقترب من حافة الخطر.
التفت ليجد تشيونغ ميونغ يبتسم خلفه، لكن عينيه لم تظهر أي ابتسامة.
كانت نظراته حادة كحد السيف، تحمل في طياتها تهديدًا خفيًا.
"ههه.. هيونغ، هل يمكننا أن نتفاهم؟"
حاول تانغ بو تدارك الموقف بحرج، لكن الجملة كانت كمن يرمي حجراً في بركة هادئة، مما زاد من حدة التوتر.
"نتفاهم؟؟"
جاءت كلماته كالرعد، تخفي خلفها غضبًا مكبوتًا.
قبضة تشيونغ ميونغ الغاضبة كانت ترتفع نحو تانغ بو، كعاصفة تتجمع في الأفق، مصممة على تلقينه درسًا لن ينساه.
لكن قبل أن تهبط قبضته، صرخ تانغ بو فجأة، كمن عثر على طوق النجاة في بحر من المخاوف.
"اه! تذكرت، هيونغ، لقد أحضرت لك شيئًا!"
على الرغم من أن وجه تشيونغ ميونغ الغاضب لم يتغير، إلا أن أذنه اهتزت قليلاً.
كانت نظراته مزيجًا من الفضول والشك، لكن تانغ بو لم يفوت الفرصة.
راح يحدق بالبوابة، حيث كان هناك رجل يقف أمامها، وصاح بينما يلوح بيديه بسعادة.
"ما الذي تفعله بالوقوف هناك؟ لما لا تأتِ؟"
تقدم الرجل، وقد اتضحت ملامحه مع كل خطوة، وكأن الضوء يبدأ في تسليط أشعته عليه.
في تلك اللحظة، مال تشيونغ ميونغ برأسه قليلاً، محاولًا معرفة سبب وجوده هنا.
"سيجين؟"
همس باسمه من بين شفتيه، وكأنها خرجت من أعماق ذاكرته.
كان سيجين يسير بخطوات واثقة، وفي يديه بضع زجاجات من الكحول، تتلألأ في ضوء النهار كأنها كنوز خفية.
زوايا فم تشيونغ ميونغ ارتفعت قليلاً، وكأن الابتسامة كانت تلوح له من بعيد، رغم الظلال التي غطت وجهه.
الجو من حولهم كان مشحونًا بالترقب، بينما كانت رائحة الكحول تملأ المكان، تحمل معها وعدًا بلحظات مفعمة بالحياة.
راح سيجين يبتسم بحرج، وقد وضع تانغ بو يده على كتفه بمرح، وكأنهما يتشاركان سرًا لا يعلمه سواهما.
"لقد التقيت به في الطريق، إلى هنا. أوه، هذا الكحول، أنا من أحضره!"
كانت نبرته مليئة بالحماسة، بينما بدا سيجين مرتبكًا قليلاً، محاطًا بكليهما كما لو كان في دوامة من المشاعر.
عندما لاحظ سيجين عيني تشيونغ ميونغ تتجهان نحو الشراب في يده، رفع الزجاجة بأدب، كمن يقدم هدية ثمينة.
"هل ترغب بالقليل، أيها الشيخ؟"
لترتسم بذلك على شفتي تشيونغ ميونغ ابتسامة راضية.
لكن تلك اللحظة السعيدة لم تستمر طويلاً، كان في المكان شخص دوما ما يفسد الأوقات الجيدة.
سرعان ما اندلعت صوت تشيونغ ميونغ الصاخب في المكان، محدقا بالتلاميذ بحدة.
"ما الذي تفعلونه هنا؟ ألن تذهبوا للتدريب؟"
وهكذا انطلق التلاميذ من المكان مسرعين لتخلو الساحة إلا من السيوف الذين ظلوا متسمرين بأماكنهم، كان تشيونغ ميونغ يرمقهم بنظرة حادة قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة.
تلك الابتسامة جعلت القشعريرة تجري في أجساد السيوف، وقد أدركوا مصيرهم القادم.
...........
"هيونغ."
بعد صراع طويل مع مشاعره المضطربة، استطاع تشيونغ ميونغ أخيرًا أن يلتفت.
كان مستعدًا لأن يواجه مجرد وهم من خياله، لكن المفاجأة كانت مروعة: كان الشخص الذي يقترب منه واقعًا حقيقيًا.
اتسعت عينا تشيونغ ميونغ بغير تصديق، كأنما سحر بما يراه.
تسربت أنفاسه المضطربة من بين شفتيه، تتردد كصدى في الفضاء المليء بالدم.
أمام عينيه، كان صديقه الوحيد يسير نحوه ببطء، بينما الجراح تلتهم جسده وكأنها وحوش تتغذى على آلامه.
عينه اليمنى كانت تنزف بغزارة، مغطاة بالدماء القرمزية، تتدفق كخيوط من عذاب.
ورغم سعادته برؤيته على قيد الحياة، إلا أن قلقه كان يتصاعد كالنار في قلبه.
كان كل جزء من تفكيره مشدودًا نحو أخيه، الذي يحتضر بين يديه، وكأنما الزمن نفسه قد تجمد في تلك اللحظة.
تسارعت دقات قلبه، بينما كانت عواصف الفوضى تدور حوله.
كان المكان مغطى بالدماء، والجثث الملقاة كأوراق الشجر اليابسة في الخريف.
و رائحة الموت تتسلل إلى أنفه، تثقل الأجواء وكأنها تحاصره من كل جانب.
تجمدت مشاعره في لحظة شعور باليأس، حيث كان يتأمل في عيني صديقه، التي تحملت الكثير من الألم.
كان يسعى ليتكلم، لكن الكلمات خانته، وكأنها غابت في بحر من العدم.
كل ما كان يمكنه فعله هو تكرار اسم أخيه
"سا.. هي.. نغ"
خرج الصوت متقطعًا، مكتومًا من شفتيه، بينما كانتا يده ترتعشان كأوراق شجرة في عاصفة.
عرق بارد يتصبب من جبينه، يتساقط كالمطر في يوم بارد، ممزوجًا بمشاعر اليأس.
ليندفع تانغ بو بسرعة نحو تشيونغ مون، وعيناه تتفحصا جسده المتهالك بقلق.
ثم أخرج إبرة فضية، عكست ضوء الشمس بطريقة قاسية، وكأنها تحمل في طياتها عبء الأمل المفقود.
بدأ يغرزها في جسد تشيونغ مون، بينما كان يتنفس بصعوبة، وكأن كل قطرة من الهواء كانت تكلفه عذابًا.
بث تانغ بو طاقته الداخلية، وهو يشعر بأن كل لحظة تمر كعمر كامل.
كان العلاج معقدًا ومتعبًا، وكأن الزمن قد تمدد ليشمل كل آلام المعركة.
كل غرسة للإبرة كانت كخنجر يغوص في اللحم، بينما كان تشيونغ ميونغ يراقب بشغف مرعب، عينيه تتوسلان للنجاة، لكن قلبه كان مشدودًا نحو الفشل.
أخيرًا، بعد جهدٍ مضنٍ، استطاع تانغ بو إنهاء العلاج.
عادت أنفاس تشيونغ مون شيئًا فشيئًا، واستعاد وجهه بعضًا من لونه المعتاد، لكن تلك الألوان كانت كالألوان الباهتة التي تعكس حربًا خاسرة.
كان تشيونغ ميونغ لا يزال يحدق به، وكأنما ينظر إلى مكان آخر، حيث كانت عواصف الذكريات تتلاطم في رأسه، كل لحظة من الألم تتجلى أمامه ككابوس مستمر.
وكانت تعابير وجهه مشوشة، مزيج من القلق والذهول، وكأنما كان يحاول استيعاب ما يحدث حوله، لكن كل شيء كان يتلاشى في ضباب من اليأس.
فجأة، انتفض تانغ بو وهو يخرج إبرة فضية أخرى، مما أعاد تشيونغ ميونغ إلى رشده.
"ما الذي تفعله الآن؟"
صرخ، متسائلاً عن سبب هذا التصرف.
لكن تانغ بو لم يأبه بكلماته، أمسك بتشيونغ ميونغ بسرعة وبدأ يعالجه، متذمرًا بصخب.
"هيونغ، أتعتقد أن الجسد كالقماش؟ تحتاج فقط لخياطته وسيعود بشكل جيد؟ لماذا لا تهتم بجسدك؟"
"اه، ابتعد، هذا ليس الوقت المناسب!"
لكن تشيونغ ميونغ استمر بدفعه غير آبه لحالة جسده، كان حال جبل هوا يؤرق باله، وعيناه مثبتتان على أخيه، ورغم ذلك لم يتوانى تانغ بو وأمسك به من جديد رغما عنه
"ما هو الأهم من ذلك؟ ألا ترى حالتك؟ أنت بالكاد تقف. لن أستمع إليك هذه المرة!"
كان صوت تانغ بو مصمماً، وهو يصرخ في وجه تشيونغ ميونغ.
لذا ورغم معارضته وتذمره، استطاع تانغ بو أخيرًا معالجته رغماً عنه.
كان يلف الضمادات حول جسده المتهالك، لكن كل حركة كانت كقضمة من الألم.
بينما كانت رؤيته تتلاشى أكثر فأكثر في ضباب من الإرهاق، كانت الأضواء تتراقص حوله، وكأنها تتلاشى في بئر مظلم.
عند انتهاء العملية، ضرب تانغ بو على ظهر تشيونغ ميونغ، يناديه بصوت مرهق.
"هيونغ."
التف تشيونغ ميونغ غاضبًا محاولًا توبيخ تانغ بو، حينما رأى وجهه الشاحب وقطرات العرق تتصبب من جبينه كالمطر الغزير.
لم يكن الأمر أنه لم يدرك ما يحدث؛ بل كان عقله مشغولًا تمامًا بحالة أخيه وجبل هوا، مما جعله يعجز عن ملاحظة حالة صديقه.
ابتسم تانغ بو، رغم الألم الذي كان يعتصره.
"على هيونغ أخذي للعلاج الآن ههه."
لكن قبل أن يكمل ضحكته، سقط فجأة، فقد وعيه بين يدي تشيونغ ميونغ.
كان الأخير يحاول إيقاظه بلا فائدة، بينما كان قلبه يتمزق من الداخل، لكن صوت أنين خافت صادر من تانغ بو أعاده إلى الواقع.
هذا الصوت، رغم ضعفه، أعاد إليه القوة المفقودة.
بدأ يضع جسد صديقه وأخيه على ظهره، وأطلق ساقيه بأقصى سرعة.
بينما ظل التلميذ الذي كان يشاهد عاجزاََ عن فعل أي شيء، أو تقديم المساعدة.
كانت كل حركة لتشيونغ ميونغ تقاوم الثقل الذي يضغط على صدره، بينما كانت أنفاسه تتسارع بشكل غير طبيعي.
كان يحدق في الفراغ، كما لو كان ينظر إلى مكان آخر، حيث تتلاشى جميع الآمال، وتبقى الذكريات كظل ثقيل يطارده في كل خطوة.
المكان كان مليئًا بالدماء والخراب، رائحة الموت تتسلل إلى أنفه، تنغص عليه كل محاولة للنجاة.
كان كل شيء حوله يبدو كخدعة، كأنه يعيش في عالم موازٍ مليء باليأس.
بينما كان يركض، كان صدى أنين تانغ بو يرن في أذنه، يذكّره بأن الحياة لا تزال تتشبث، رغم كل ما يحيط بهم من ظلام.
.........
...............
وسط الساحة المشمسة، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل بين أوراق الأشجار، تسرب صوت أنين مزق سكون المكان، كصدى بعيد يتردد في الفضاء.
كان السيوف الخمسة يتدربون، يضعون صخورًا تضاعف أحجامهم على ظهورهم، وعيونهم تطلق شررًا حادًا، بينما كانت تعابير وجوههم تعكس مشاعر متناقضة من الإحباط والغضب.
"ذلك الوغد!"
انطلقت الكلمات من بايك تشيون، بينما كان وجهه مشدودًا، عينيه متسعتين قليلاً.
"الشيطان!"
أضافت يوي سول، مع تجاعيد واضحة على جبينها، وشفاهها مضغوطة معًا، بينما أومضت عيناها كشرار النار.
"ألا يمكنه أن يدعنا نرتاح حتى؟"
تساءل يون جونغ، وكان يبدو عاجزًا، حيث تكاد ملامح وجهه تنفجر من الانزعاج.
"اللعنة!"
صرخ جوغول، وقد بدا التعب واضحًا في ملامحه.
كلماته كانت تخرج بلهجة مبحوحة، وكأن التعب قد أخذ منه كل طاقته.
و كان هاي يون عاجزاََ حتى عن إصدار صوت من شدة إرهاقه.
في حين كان تشيونغ ميونغ جالسًا في مكان قريب أمام طاولة صغيرة، بجواره تانغ بو وسيجين.
كان يراقبهم بلا اكتراث، ينظف أذنه ببطء وكأنه يتعامل مع طنين ذباب مزعج.
"تسك تسك، أطفال هذه الأيام يتذمرون من تدريب خفيف."
جاء صوته ساخرًا، وتعبير وجهه كان مزيجًا من الاستهزاء واللامبالاة.
بينما راح سيجين يضحك بحرج، يراقب السيوف الخمسة وقد بدا على أجسادهم الإرهاق الشديد، وقد خرجوا لتوهم من معركة مرهقة.
"ما الأمر؟"
سأله تشيونغ ميونغ، مظهرًا استغرابه وكأنه لا يعلم سبب نظرات سيجين المتأملة.
ف نظر إليه سيجين بابتسامة تخفي في طياتها قدرًا ضئيلاً من الحسرة.
"حسناً، هذا... أعتقد أنني أشعر بالغيرة قليلاً."
"الغيرة؟"
أمال تشيونغ ميونغ رأسه، مدهوشا من كلمات سيجين، الذي عاد للضحك مجددًا، متجنبًا نظراته وكأنها شعاع شمس لا يرغب في مواجهته.
لكن المفاجأة جاءت عندما تلقى ضربة غير متوقعة على ظهره.
رفع رأسه ليجد تانغ بو يربت عليه بقوة، ملامح وجهه تتلألأ بالمرح.
"هاهاها، بالطبع يجب أن تشعر بالغيرة! متى ستتسنى لك الفرصة للتدرب على يد المبارز الشهم الذي سيكتب أسطورة هذا الجيل؟"
بدأ جسد تانغ بو يهتز وهو ينطق تلك الكلمات، محاولًا استيعاب ضحكاته التي كانت تتسرب بلا فائدة.
لكن تشيونغ ميونغ كان يشوه وجهه بانزعاج وغضب، وكأنما كان يقاوم عاصفة تتصاعد في داخله.
"لن.. بفتت.. أكل.. أو.. بفتتتت.. أنام... حتى يشبع جميع سكان السهول الوسطى!"
راح تانغ بو يقلد نبرة صوت تشيونغ ميونغ، رافعًا رأسه بفخر كأنه يتقمص شخصية أسطورية.
لكن سرعان ما انفجر ضاحكًا، يخبط الأرض بيديه.
"هاهاهاهاهاها، هيونغ.. هذا... هاهاهاها!"
لكن
"اووه؟"
مع تعالي صوت ضحكاته، تزايد غضب تشيونغ ميونغ ليخرج سيفه، مع ابتسامة على وةهه، ابتسامة شيطانية تنذر بجحيم قريب.
"آه، هيونغ، توقف! أنزل سيفك، أرجوك.. اااا... لا بحق، هذه ليست طباع المحارب الشهم!"
"هاه؟ لما لا أريك إذاً طباع المحارب الشهم؟"
كان صوته مليئًا بالتحدي، بينما كانت ملامح وجهه تعكس مزيجًا من الغضب والمرح.
في تلك اللحظة، كان المشهد مشحونًا بالطاقة، حيث كانت ضحكاتهم تتردد في الفضاء، بينما كانت أشعة الشمس تغمر المكان، تضفي عليه أجواءً دافئة رغم الصراع الداخلي الذي كان يخيم على تشيونغ ميونغ.
كان كل شيء حولهم ينبض بالحياة، لكن في قلب كل واحد منهم، كانت هناك مشاعر مكبوتة بحاجة إلى التحرر.
وبعد لحظات، عادوا للجلوس بهدوء، حيث برز على رأس تانغ بو انتفاخ كبير نتيجة الضربة التي تلقاها من تشيونغ ميونغ.
كانوا يشربون معًا، وأصوات ضحكاتهم تتعالى في المكان، كأصوات طيور تحلق في السماء الصافية.
بينما كان السيوف الخمسة يصرون على أسنانهم من شدة التدريب القاسي، لكن مشهد الضحك والشرب الذي يقدمه تشيونغ ميونغ مألوفًا في حبل هوا، حيث عانوا من تعبهم ولكنهم وجدوا في ذلك الفرح نوعًا من الراحة.
لكن فجأة، رن في المكان صوتٌ كسر سكون اللحظة، كعاصفة تقتحم هدوء الصباح.
"قديس السيف!"
"قديس السيف!"
التفت الجميع، بما في ذلك تشيونغ ميونغ، نحو البوابة حيث كان رجل عجوز بملابس رثة يركض باتجاههم، يلوح بورقة بيديه كأنه يحمل رسالة من السماء.
كانت ملامح وجهه متجعدة، وعيناه تتلألآن بحماس مختلط بالقلق، مما أضفى جوًا من التوتر على المشهد.
عند رؤيته، خفض تشيونغ ميونغ كأس الشراب من يده، وتحولت نظرته المرحة والمسترخية إلى أخرى جادة، كفجر يبدد ظلام الليل.
تلاشت الضحكات من حوله، وكأنما سحب الغيوم فوق الشمس.
وهكذا، اختفى تشيونغ ميونغ من الطائفة في اليوم التالي، دون أن يعرف أحد إلى أين ذهب.
ترك خلفه ضحكات الأصدقاء وأصوات التدريب القاسية، بينما كانت الأجواء تكتسي بعباءة من الغموض والقلق.
كأنما كانت تلك اللحظة بداية لرحلة جديدة، أو ربما إلى مسار مظلم لا يعرف نهايته.
.............
...............
وسط الساحة المشمسة، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل بين أوراق الأشجار، تسرب صوت أنين مزق سكون المكان، كصدى بعيد يتردد في الفضاء.
كان السيوف الخمسة يتدربون، يضعون صخورًا تضاعف أحجامهم على ظهورهم، وعيونهم تطلق شررًا حادًا، بينما كانت تعابير وجوههم تعكس مشاعر متناقضة من الإحباط والغضب.
"ذلك الوغد!"
انطلقت الكلمات من بايك تشيون، بينما كان وجهه مشدودًا، عينيه متسعتين قليلاً.
"الشيطان!"
أضافت يوي سول، مع تجاعيد واضحة على جبينها، وشفاهها مضغوطة معًا، بينما أومضت عيناها كشرار النار.
"ألا يمكنه أن يدعنا نرتاح حتى؟"
تساءل يون جونغ، وكان يبدو عاجزًا، حيث تكاد ملامح وجهه تنفجر من الانزعاج.
"اللعنة!"
صرخ جوغول، وقد بدا التعب واضحًا في ملامحه.
كلماته كانت تخرج بلهجة مبحوحة، وكأن التعب قد أخذ منه كل طاقته.
و كان هاي يون عاجزاََ حتى عن إصدار صوت من شدة إرهاقه.
في حين كان تشيونغ ميونغ جالسًا في مكان قريب أمام طاولة صغيرة، بجواره تانغ بو وسيجين.
كان يراقبهم بلا اكتراث، ينظف أذنه ببطء وكأنه يتعامل مع طنين ذباب مزعج.
"تسك تسك، أطفال هذه الأيام يتذمرون من تدريب خفيف."
جاء صوته ساخرًا، وتعبير وجهه كان مزيجًا من الاستهزاء واللامبالاة.
بينما راح سيجين يضحك بحرج، يراقب السيوف الخمسة وقد بدا على أجسادهم الإرهاق الشديد، وقد خرجوا لتوهم من معركة مرهقة.
"ما الأمر؟"
سأله تشيونغ ميونغ، مظهرًا استغرابه وكأنه لا يعلم سبب نظرات سيجين المتأملة.
ف نظر إليه سيجين بابتسامة تخفي في طياتها قدرًا ضئيلاً من الحسرة.
"حسناً، هذا... أعتقد أنني أشعر بالغيرة قليلاً."
"الغيرة؟"
أمال تشيونغ ميونغ رأسه، مدهوشا من كلمات سيجين، الذي عاد للضحك مجددًا، متجنبًا نظراته وكأنها شعاع شمس لا يرغب في مواجهته.
لكن المفاجأة جاءت عندما تلقى ضربة غير متوقعة على ظهره.
رفع رأسه ليجد تانغ بو يربت عليه بقوة، ملامح وجهه تتلألأ بالمرح.
"هاهاها، بالطبع يجب أن تشعر بالغيرة! متى ستتسنى لك الفرصة للتدرب على يد المبارز الشهم الذي سيكتب أسطورة هذا الجيل؟"
بدأ جسد تانغ بو يهتز وهو ينطق تلك الكلمات، محاولًا استيعاب ضحكاته التي كانت تتسرب بلا فائدة.
لكن تشيونغ ميونغ كان يشوه وجهه بانزعاج وغضب، وكأنما كان يقاوم عاصفة تتصاعد في داخله.
"لن.. بفتت.. أكل.. أو.. بفتتتت.. أنام... حتى يشبع جميع سكان السهول الوسطى!"
راح تانغ بو يقلد نبرة صوت تشيونغ ميونغ، رافعًا رأسه بفخر كأنه يتقمص شخصية أسطورية.
لكن سرعان ما انفجر ضاحكًا، يخبط الأرض بيديه.
"هاهاهاهاهاها، هيونغ.. هذا... هاهاهاها!"
لكن
"اووه؟"
مع تعالي صوت ضحكاته، تزايد غضب تشيونغ ميونغ ليخرج سيفه، مع ابتسامة على وةهه، ابتسامة شيطانية تنذر بجحيم قريب.
"آه، هيونغ، توقف! أنزل سيفك، أرجوك.. اااا... لا بحق، هذه ليست طباع المحارب الشهم!"
"هاه؟ لما لا أريك إذاً طباع المحارب الشهم؟"
كان صوته مليئًا بالتحدي، بينما كانت ملامح وجهه تعكس مزيجًا من الغضب والمرح.
في تلك اللحظة، كان المشهد مشحونًا بالطاقة، حيث كانت ضحكاتهم تتردد في الفضاء، بينما كانت أشعة الشمس تغمر المكان، تضفي عليه أجواءً دافئة رغم الصراع الداخلي الذي كان يخيم على تشيونغ ميونغ.
كان كل شيء حولهم ينبض بالحياة، لكن في قلب كل واحد منهم، كانت هناك مشاعر مكبوتة بحاجة إلى التحرر.
وبعد لحظات، عادوا للجلوس بهدوء، حيث برز على رأس تانغ بو انتفاخ كبير نتيجة الضربة التي تلقاها من تشيونغ ميونغ.
كانوا يشربون معًا، وأصوات ضحكاتهم تتعالى في المكان، كأصوات طيور تحلق في السماء الصافية.
بينما كان السيوف الخمسة يصرون على أسنانهم من شدة التدريب القاسي، لكن مشهد الضحك والشرب الذي يقدمه تشيونغ ميونغ مألوفًا في حبل هوا، حيث عانوا من تعبهم ولكنهم وجدوا في ذلك الفرح نوعًا من الراحة.
لكن فجأة، رن في المكان صوتٌ كسر سكون اللحظة، كعاصفة تقتحم هدوء الصباح.
"قديس السيف!"
"قديس السيف!"
التفت الجميع، بما في ذلك تشيونغ ميونغ، نحو البوابة حيث كان رجل عجوز بملابس رثة يركض باتجاههم، يلوح بورقة بيديه كأنه يحمل رسالة من السماء.
كانت ملامح وجهه متجعدة، وعيناه تتلألآن بحماس مختلط بالقلق، مما أضفى جوًا من التوتر على المشهد.
عند رؤيته، خفض تشيونغ ميونغ كأس الشراب من يده، وتحولت نظرته المرحة والمسترخية إلى أخرى جادة، كفجر يبدد ظلام الليل.
تلاشت الضحكات من حوله، وكأنما سحب الغيوم فوق الشمس.
وهكذا، اختفى تشيونغ ميونغ من الطائفة في اليوم التالي، دون أن يعرف أحد إلى أين ذهب.
ترك خلفه ضحكات الأصدقاء وأصوات التدريب القاسية، بينما كانت الأجواء تكتسي بعباءة من الغموض والقلق.
كأنما كانت تلك اللحظة بداية لرحلة جديدة، أو ربما إلى مسار مظلم لا يعرف نهايته.
.............
كانت تجاعيد الجبين تتشكل، مما أظهر تفكيره العميق، بينما كان قلبه ينبض بشدة، وكأنما يشعر بأن هذه اللحظة تحمل شيئًا أكثر أهمية مما يبدو. كأنما كان يدرك أن القدر قد يكون في انتظارهم، وأن هذا المتسول قد يكون هو المفتاح لفهم ما هو قادم.
.............
في غرفة زعيم الطائفة الأنيقة والمنظمة، كان تشيونغ مون جالسًا في صمت، يحتسي شاي البرقوق بهدوء.
على الرغم من سكون الجو، كان قلبه لا يزال مضطربًا، وكأنما يتأرجح بين هموم لا تنتهي.
بدت على وجهه تجاعيد القلق، التي كانت تتجلى مع كل رشفة، حيث كان يخرج تنهيدات عميقة، تغرقه في دوامة من الأفكار المظلمة.
فجأة، دق الباب، ليقطع صمت الغرفة.
"من؟"
سأل بصوت خافت، يكاد لا يسمع.
"إنه أنا، زعيم الطائفة، ساهيونغ."
"ادخل، جين آه."
دخل تشيونغ جين، وحيا تشيونغ مون باحترام، مائلًا برأسه في تقدير قبل أن يشير له زعيم الطائفة بالجلوس.
كان التعب باديًا على ملامح جين، وعينيه تحملان عبء الأخبار الثقيلة.
راح تشيونغ مون يسكب له شاي البرقوق في لحظة من الصمت المقلق، يراقب بخفاء كيف تشكل البخار في الهواء، كأفكار معلقة.
وبعد برهة، كسر جين هذا الصمت.
"ألم يستيقظ بعد؟"
سأل تشيونغ مون بنبرة قلق، ليهز تشيونغ جين برأسه نافياً ذلك، مما زاد من حدة التوتر في الغرفة.
"ماذا عن الآخر؟"
"لا أثر له."
"هاه..."
جاء صوت تشيونغ مون كصدى في فضاء الغرفة، حيث راح يتنهد بعمق مرة أخرى، كأنه يطرح كل ما في قلبه بلا حيلة ولا قوة.
بطريقة ما، بدا جبل هوا مختلفًا عن المعتاد.
كان الجو ساكنًا وهادئًا، لم يكن هناك أي أثر للضجيج والصخب السابق بسبب تشيونغ ميونغ.
كان كل شيء هادئًا جدًا، وكأنما الحياة قد توقفت، تاركة خلفها صدى الذكريات التي كانت تغمر المكان.
في تلك اللحظة، شعر تشيونغ مون بأن الهدوء كان أكثر قسوة من الضجيج، وكأن القلق يتسلل إلى قلبه كظل لا يفارقه.
.............
ببطء، انحنى تشيونغ ميونغ ليضع جسد صديقه وأخيه على ظهره، وكأنما كان يحمل عالماً من الأعباء الثقيلة.
كانت الأجساد تتدلى، والأرواح التي فقدت تتردد في ذهنه كأصداء.
كل حركة كانت تُشعره وكأن حديدًا يثقل قلبه، لكن لم يكن لديه الوقت للندم.
كان كل ما يهمه هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
بينما بدأ في النزول من الجبل، كان يراقب الجثث المتناثرة حوله، وكأنها حكايات مأساوية لم تُروَ.
كانت الوجوه الشاحبة، التي كانت تحمل في طياتها أحلامًا وأماني، الآن مستلقية بلا حراك.
كان قلبه يتمزق، وكل خطوة كانت تُشعره بأنه يدوس على كرامة تلك الأرواح.
"لماذا لم أستطع إنقاذهم؟"
كانت تلك الأفكار تدور في رأسه، وكأنها سكاكين تغوص في لحمه.
كان يشتعل بالندم، يشعر بأنه خائن لكل من فقد حياته، وأنه لم يكن كافيًا ليكون حاميًا.
في كل مرة كانت قدماه تلامسان الأرض، كانت الذكريات تعود إليه: ضحكاتهم، آمالهم، وكل اللحظات التي قضوها معًا.
ومع كل خطوة، كان الألم يزداد عمقًا، وكأنما كانت الخسارة تترك جروحًا في روحه لا تندمل.
كان يتمنى لو كان بإمكانه أن يعود إلى الوراء، ليمنع تلك اللحظات من الحدوث، لكنه كان محاصرًا في واقعٍ مرير، حيث لا مفر من الألم والفقد.
ومع ذلك، لم يكن بإمكانه التوقف، بل استمر في النزول، عاقدًا العزم على تكريم ذكراهم، حتى لو كان ذلك على حساب حياته.
وبعد رحيله، بقيت الجثث المتناثرة على الأرض كأشباح من الذكريات المؤلمة، تُحاكي صمت المكان الذي شهد مآسي لا تُنسى.
كانت الرياح تعصف، تحمل معها همسات الأرواح التي فقدت، وكأنها تستجدي من يراها أو يسمع قصصها.
مع مرور الوقت، بدأت الطبيعة تستعيد عافيتها، تُخفي آثار المأساة تحت طبقات من الأوراق والأعشاب.
كانت الطيور تعود لتملأ الأفق بأصواتها، لكن الأرض لم تعد كما كانت؛ فقد ترك الفقد أثرًا عميقًا في كل شيء.
الجثث، التي تناثرت، بدأت تتحلل ببطء، وتتلاشى في أحضان التراب.
ومع كل لحظة، كانت القصص تُنسى، لكن الروح التي كانت تسكن تلك الأجساد تركت بصمة على المكان، تجعل كل من يمر به يشعر بثقل الفقد.
في الليل، كانت النجوم تتلألأ في السماء، وكأنها تبكي على ما حدث، بينما كانت الأشجار تتمايل برفق، كأنها تقدم التعازي للأرواح المفقودة.
أما الجثث، فقد كانت تُعتبر جزءًا من حكاية جبل هوا، تُذكر كل من يقترب من المكان بأن الألم لا يموت، بل يتحول إلى ذكرى تلاحق الأحياء.
لكن ذلك كان قصة لمستقبل بعيد من الآن.
تحدي
احزرو ميونغي وين وايش صار
على قمة الجبل الذي صار جحيمًا أحمر بفعل الدماء، وقفت شخصية وحيدة، كالشجرة العارية في فصل الشتاء.
كان جسده يئن تحت ثقل الألم، كل عظمة فيه تصرخ وكأنها تعبر عن معاناتها.
ذراعه المقطوعة كانت تذكره بتلك المعارك التي لا تنتهي، حيث كانت الجثث المكدسة حوله تشهد على فظائع لا يمكن نسيانها.
لكن ورغم تلك المعاناة الجسدية، كان يضغط على نفسه بقوة، محاولًا انتشال جسد أخيه من تحت أكوام الموت.
كانت يده ترتجف، وهو يمسك بجسده، ليشعر ببرودة الموت تتسلل إلى عظامه، كما لو كانت تدعوه للانزلاق إلى هاوية اليأس.
وأخيرًا، بعد جهد مرهق، استطاع أن يخرج أخاه من تحت تلك الجثث، لكن ما رأته عيناه كان مصدر فزعه.
جسد أخيه، الذي كان يومًا ما مليئًا بالحياة، الآن صار بارداً كحجر، وأنفاسه خافتة، تكاد تكون غير موجودة.
الرعب تسلل إلى قلبه كالأفعى، يلتف حوله ويخنقه، الخوف من فقدان أخيه إلى الأبد.
تمكن شعور العجز من السيطرة على عقله، كما لو كانت القيود تلتف حول معصميه، تمنعه من القيام بأي شيء.
كل ما كان يعرفه من حيل الطاقة لم يكن مجديًا هنا، وكأن تلك المعرفة أصبحت بلا قيمة في مواجهة الموت.
أحاط صمت مهيب في المكان، وكأن الطبيعة نفسها كانت تندب الأرواح التي فقدت في هذه المجزرة.
كانت دموعه تتجمع في عينيه، لكن كبرياءه كان يمنعه من الانهيار.
لتخرج من فمه صرخة وكأنها آتية من أعماق بئر مظلم، حيث تتردد الأصداء بلا نهاية.
"اللعنة"
انتهت الحرب اللعينة أخيرًا، لكن في مقابل ذلك، لم يتبقَّ له شيء.
كان كالجذع المقطوع، يواجه عواصف الحياة بلا جذور.
الشخص الوحيد الذي كان يعتز به، والده، الذي رباه ، وأخاه، الذي كان زعيم طائفته وقدوته، تركوراءه خيوطًا من الذكريات التي كانت تلتف حول قلبه كعاصفة.
لطالما طارد ظله، محاولًا أن يكون مثله، رغم إدراكه العميق لاستحالة ذلك.
كان أخاه هو النجم المضيء في سماء حياته، والآن، أمام عينيه، كان يشهد ذلك النجم وهو يهوي.
كانت حياته تتسلل ببطء، كالماء الذي ينساب من بين الأصابع، وأنفاسه تتلاشى أمامه، كدخانٍ يندثر في الهواء.
شعور عميق بالعجز كبل جسده، وكأن سلاسل ثقيلة تعيق حركته، وترهق كيانه.
تاهت نظراته باحثة عن مخ ج من هذا الكابوس، لكن كان الفراغ هو كل ما لقيه.
شوه وجهه، واحتقنت عيناه باليأس، وكأن كل دمعة لم تُسقط بعد تكفي لتغرقه في محيط من العزلة.
لكن، وفي ظل ذلك اليأس، سمع صوتًا مرهقًا خافتًا يدعوه، يتردد في أذنه كهمس الرياح في ليلة عاصفة.
"هيونغ؟"
اهتز جسد تشيونغ ميونغ، وارتعشت يداه عند سماع هذا الصوت.
تردد للحظة، خائفًا من أن يكون هذا الصوت المألوف وهماً نسجه خياله المشتت.
لكن النداء تكرر مرة أخرى، كصدى لا يمكن تجاهله.
"هيونغ!"
"هيونغ، ما الذي تفكر فيه الآن؟"
فتح تشيونغ ميونغ عينيه بدهشة، وكأنما استيقظ من غفوة عميقة.
راح يتأمل المكان من حوله، محاولًا فهم ما يحدث.
لم يكن هناك أي أثر للدماء أو الجثث المروعة التي عانقها في كوابيسه.
بل ما كان أمام عينيه التلاميذ الصغار للطائفة، والسيوف اللذين تراموا في الأرض منهكين، استمر قتالهم مع تشيونغ ميونغ عشر أيام بلياليها.
كانت أعينهم وهي تترقبه تلمع بشيء من الدهشة والقلق.
وسط هذا كله، تردد صوت مألوف إلى أذنه، يقطع خيوط التفكير.
"هيونغ؟"
التفت تشيونغ ميونغ نحو صاحب الصوت، وبدت تعابير وجهه المنذهل تتبدل إلى أخرى عابسة، لكن حاجبيه ارتعشا بحركة طفيفة، تعبيرًا عن السعادة التي تغمره لرؤية صديقه.
"بحق هيونغ، لما تستمر بإضاعتهم هكذا؟ ما الذي ستفعله بدوني؟"
"ما هذا الهراء الذي تقوله؟"
رد عليه تشيونغ ميونغ بنبرة ساخرة، بينما كانت ابتسامة خفيفة تتسلل إلى شفتيه، كأنما تشرق شمس جديدة بعد عاصفة.
أخذ رباط الشعر من يده بقوة، وبدأ يحاول ربط شعره، لكن المهمة كانت صعبة بيد واحدة، كمن يحاول تسلق جبل زلق.
تعابير وجهه كانت تتأرجح بين الإحباط والمرح. .
وفي تلك الأثناء، كان تانغ بو يحدق به بصمت، كأنما يحاول فك شيفرة معقدة، مما جعل الانزعاج يتسرب إليه.
قطب حاجبيه بغضب وسأل باستنكار:
"ماذا؟"
"مهما نظرت للأمر، أجده غريبًا."
"ما هو؟"
"هيونغ هو... بفتت... المحارب الشهم.. بفتتت بواهاهاهههههاهاهاها!"
انفجر تانغ بو فجأة بالضحك، وكأن قنبلة قد انفجرت في مكان هادئ، بينما راح يخبط قدمه بالأرض بفرح.
في حين توقف تشيونغ ميونغ للحظة، محدقًا به باستغراب، قبل أن يتسلل الغضب إلى وجهه.
و بسرعة، أعاد الرباط إلى جيبه، تاركًا شعره ينسدل بحرية على كتفيه، كأمواج بحرية تتلاطم على الصخور.
وضع يده على كتف تانغ بو، الذي كان جسده يهتز بشدة من الضحك وسط ذهول جميع التلاميذ.
حين شعر تانغ بو بلمس يده توقف فجأة عن الضحك، وعَرَق بارد يتصبب من جبينه، كأنه أدرك أنه اقترب من حافة الخطر.
التفت ليجد تشيونغ ميونغ يبتسم خلفه، لكن عينيه لم تظهر أي ابتسامة.
كانت نظراته حادة كحد السيف، تحمل في طياتها تهديدًا خفيًا.
"ههه.. هيونغ، هل يمكننا أن نتفاهم؟"
حاول تانغ بو تدارك الموقف بحرج، لكن الجملة كانت كمن يرمي حجراً في بركة هادئة، مما زاد من حدة التوتر.
"نتفاهم؟؟"
جاءت كلماته كالرعد، تخفي خلفها غضبًا مكبوتًا.
قبضة تشيونغ ميونغ الغاضبة كانت ترتفع نحو تانغ بو، كعاصفة تتجمع في الأفق، مصممة على تلقينه درسًا لن ينساه.
لكن قبل أن تهبط قبضته، صرخ تانغ بو فجأة، كمن عثر على طوق النجاة في بحر من المخاوف.
"اه! تذكرت، هيونغ، لقد أحضرت لك شيئًا!"
على الرغم من أن وجه تشيونغ ميونغ الغاضب لم يتغير، إلا أن أذنه اهتزت قليلاً.
كانت نظراته مزيجًا من الفضول والشك، لكن تانغ بو لم يفوت الفرصة.
راح يحدق بالبوابة، حيث كان هناك رجل يقف أمامها، وصاح بينما يلوح بيديه بسعادة.
"ما الذي تفعله بالوقوف هناك؟ لما لا تأتِ؟"
تقدم الرجل، وقد اتضحت ملامحه مع كل خطوة، وكأن الضوء يبدأ في تسليط أشعته عليه.
في تلك اللحظة، مال تشيونغ ميونغ برأسه قليلاً، محاولًا معرفة سبب وجوده هنا.
"سيجين؟"
همس باسمه من بين شفتيه، وكأنها خرجت من أعماق ذاكرته.
كان سيجين يسير بخطوات واثقة، وفي يديه بضع زجاجات من الكحول، تتلألأ في ضوء النهار كأنها كنوز خفية.
زوايا فم تشيونغ ميونغ ارتفعت قليلاً، وكأن الابتسامة كانت تلوح له من بعيد، رغم الظلال التي غطت وجهه.
الجو من حولهم كان مشحونًا بالترقب، بينما كانت رائحة الكحول تملأ المكان، تحمل معها وعدًا بلحظات مفعمة بالحياة.
راح سيجين يبتسم بحرج، وقد وضع تانغ بو يده على كتفه بمرح، وكأنهما يتشاركان سرًا لا يعلمه سواهما.
"لقد التقيت به في الطريق، إلى هنا. أوه، هذا الكحول، أنا من أحضره!"
كانت نبرته مليئة بالحماسة، بينما بدا سيجين مرتبكًا قليلاً، محاطًا بكليهما كما لو كان في دوامة من المشاعر.
عندما لاحظ سيجين عيني تشيونغ ميونغ تتجهان نحو الشراب في يده، رفع الزجاجة بأدب، كمن يقدم هدية ثمينة.
"هل ترغب بالقليل، أيها الشيخ؟"
لترتسم بذلك على شفتي تشيونغ ميونغ ابتسامة راضية.
لكن تلك اللحظة السعيدة لم تستمر طويلاً، كان في المكان شخص دوما ما يفسد الأوقات الجيدة.
سرعان ما اندلعت صوت تشيونغ ميونغ الصاخب في المكان، محدقا بالتلاميذ بحدة.
"ما الذي تفعلونه هنا؟ ألن تذهبوا للتدريب؟"
وهكذا انطلق التلاميذ من المكان مسرعين لتخلو الساحة إلا من السيوف الذين ظلوا متسمرين بأماكنهم، كان تشيونغ ميونغ يرمقهم بنظرة حادة قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة ماكرة.
تلك الابتسامة جعلت القشعريرة تجري في أجساد السيوف، وقد أدركوا مصيرهم القادم.
...........
"هيونغ."
بعد صراع طويل مع مشاعره المضطربة، استطاع تشيونغ ميونغ أخيرًا أن يلتفت.
كان مستعدًا لأن يواجه مجرد وهم من خياله، لكن المفاجأة كانت مروعة: كان الشخص الذي يقترب منه واقعًا حقيقيًا.
اتسعت عينا تشيونغ ميونغ بغير تصديق، كأنما سحر بما يراه.
تسربت أنفاسه المضطربة من بين شفتيه، تتردد كصدى في الفضاء المليء بالدم.
أمام عينيه، كان صديقه الوحيد يسير نحوه ببطء، بينما الجراح تلتهم جسده وكأنها وحوش تتغذى على آلامه.
عينه اليمنى كانت تنزف بغزارة، مغطاة بالدماء القرمزية، تتدفق كخيوط من عذاب.
ورغم سعادته برؤيته على قيد الحياة، إلا أن قلقه كان يتصاعد كالنار في قلبه.
كان كل جزء من تفكيره مشدودًا نحو أخيه، الذي يحتضر بين يديه، وكأنما الزمن نفسه قد تجمد في تلك اللحظة.
تسارعت دقات قلبه، بينما كانت عواصف الفوضى تدور حوله.
كان المكان مغطى بالدماء، والجثث الملقاة كأوراق الشجر اليابسة في الخريف.
و رائحة الموت تتسلل إلى أنفه، تثقل الأجواء وكأنها تحاصره من كل جانب.
تجمدت مشاعره في لحظة شعور باليأس، حيث كان يتأمل في عيني صديقه، التي تحملت الكثير من الألم.
كان يسعى ليتكلم، لكن الكلمات خانته، وكأنها غابت في بحر من العدم.
كل ما كان يمكنه فعله هو تكرار اسم أخيه
"سا.. هي.. نغ"
خرج الصوت متقطعًا، مكتومًا من شفتيه، بينما كانتا يده ترتعشان كأوراق شجرة في عاصفة.
عرق بارد يتصبب من جبينه، يتساقط كالمطر في يوم بارد، ممزوجًا بمشاعر اليأس.
ليندفع تانغ بو بسرعة نحو تشيونغ مون، وعيناه تتفحصا جسده المتهالك بقلق.
ثم أخرج إبرة فضية، عكست ضوء الشمس بطريقة قاسية، وكأنها تحمل في طياتها عبء الأمل المفقود.
بدأ يغرزها في جسد تشيونغ مون، بينما كان يتنفس بصعوبة، وكأن كل قطرة من الهواء كانت تكلفه عذابًا.
بث تانغ بو طاقته الداخلية، وهو يشعر بأن كل لحظة تمر كعمر كامل.
كان العلاج معقدًا ومتعبًا، وكأن الزمن قد تمدد ليشمل كل آلام المعركة.
كل غرسة للإبرة كانت كخنجر يغوص في اللحم، بينما كان تشيونغ ميونغ يراقب بشغف مرعب، عينيه تتوسلان للنجاة، لكن قلبه كان مشدودًا نحو الفشل.
أخيرًا، بعد جهدٍ مضنٍ، استطاع تانغ بو إنهاء العلاج.
عادت أنفاس تشيونغ مون شيئًا فشيئًا، واستعاد وجهه بعضًا من لونه المعتاد، لكن تلك الألوان كانت كالألوان الباهتة التي تعكس حربًا خاسرة.
كان تشيونغ ميونغ لا يزال يحدق به، وكأنما ينظر إلى مكان آخر، حيث كانت عواصف الذكريات تتلاطم في رأسه، كل لحظة من الألم تتجلى أمامه ككابوس مستمر.
وكانت تعابير وجهه مشوشة، مزيج من القلق والذهول، وكأنما كان يحاول استيعاب ما يحدث حوله، لكن كل شيء كان يتلاشى في ضباب من اليأس.
فجأة، انتفض تانغ بو وهو يخرج إبرة فضية أخرى، مما أعاد تشيونغ ميونغ إلى رشده.
"ما الذي تفعله الآن؟"
صرخ، متسائلاً عن سبب هذا التصرف.
لكن تانغ بو لم يأبه بكلماته، أمسك بتشيونغ ميونغ بسرعة وبدأ يعالجه، متذمرًا بصخب.
"هيونغ، أتعتقد أن الجسد كالقماش؟ تحتاج فقط لخياطته وسيعود بشكل جيد؟ لماذا لا تهتم بجسدك؟"
"اه، ابتعد، هذا ليس الوقت المناسب!"
لكن تشيونغ ميونغ استمر بدفعه غير آبه لحالة جسده، كان حال جبل هوا يؤرق باله، وعيناه مثبتتان على أخيه، ورغم ذلك لم يتوانى تانغ بو وأمسك به من جديد رغما عنه
"ما هو الأهم من ذلك؟ ألا ترى حالتك؟ أنت بالكاد تقف. لن أستمع إليك هذه المرة!"
كان صوت تانغ بو مصمماً، وهو يصرخ في وجه تشيونغ ميونغ.
لذا ورغم معارضته وتذمره، استطاع تانغ بو أخيرًا معالجته رغماً عنه.
كان يلف الضمادات حول جسده المتهالك، لكن كل حركة كانت كقضمة من الألم.
بينما كانت رؤيته تتلاشى أكثر فأكثر في ضباب من الإرهاق، كانت الأضواء تتراقص حوله، وكأنها تتلاشى في بئر مظلم.
عند انتهاء العملية، ضرب تانغ بو على ظهر تشيونغ ميونغ، يناديه بصوت مرهق.
"هيونغ."
التف تشيونغ ميونغ غاضبًا محاولًا توبيخ تانغ بو، حينما رأى وجهه الشاحب وقطرات العرق تتصبب من جبينه كالمطر الغزير.
لم يكن الأمر أنه لم يدرك ما يحدث؛ بل كان عقله مشغولًا تمامًا بحالة أخيه وجبل هوا، مما جعله يعجز عن ملاحظة حالة صديقه.
ابتسم تانغ بو، رغم الألم الذي كان يعتصره.
"على هيونغ أخذي للعلاج الآن ههه."
لكن قبل أن يكمل ضحكته، سقط فجأة، فقد وعيه بين يدي تشيونغ ميونغ.
كان الأخير يحاول إيقاظه بلا فائدة، بينما كان قلبه يتمزق من الداخل، لكن صوت أنين خافت صادر من تانغ بو أعاده إلى الواقع.
هذا الصوت، رغم ضعفه، أعاد إليه القوة المفقودة.
بدأ يضع جسد صديقه وأخيه على ظهره، وأطلق ساقيه بأقصى سرعة.
بينما ظل التلميذ الذي كان يشاهد عاجزاََ عن فعل أي شيء، أو تقديم المساعدة.
كانت كل حركة لتشيونغ ميونغ تقاوم الثقل الذي يضغط على صدره، بينما كانت أنفاسه تتسارع بشكل غير طبيعي.
كان يحدق في الفراغ، كما لو كان ينظر إلى مكان آخر، حيث تتلاشى جميع الآمال، وتبقى الذكريات كظل ثقيل يطارده في كل خطوة.
المكان كان مليئًا بالدماء والخراب، رائحة الموت تتسلل إلى أنفه، تنغص عليه كل محاولة للنجاة.
كان كل شيء حوله يبدو كخدعة، كأنه يعيش في عالم موازٍ مليء باليأس.
بينما كان يركض، كان صدى أنين تانغ بو يرن في أذنه، يذكّره بأن الحياة لا تزال تتشبث، رغم كل ما يحيط بهم من ظلام.
.........
...............
وسط الساحة المشمسة، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل بين أوراق الأشجار، تسرب صوت أنين مزق سكون المكان، كصدى بعيد يتردد في الفضاء.
كان السيوف الخمسة يتدربون، يضعون صخورًا تضاعف أحجامهم على ظهورهم، وعيونهم تطلق شررًا حادًا، بينما كانت تعابير وجوههم تعكس مشاعر متناقضة من الإحباط والغضب.
"ذلك الوغد!"
انطلقت الكلمات من بايك تشيون، بينما كان وجهه مشدودًا، عينيه متسعتين قليلاً.
"الشيطان!"
أضافت يوي سول، مع تجاعيد واضحة على جبينها، وشفاهها مضغوطة معًا، بينما أومضت عيناها كشرار النار.
"ألا يمكنه أن يدعنا نرتاح حتى؟"
تساءل يون جونغ، وكان يبدو عاجزًا، حيث تكاد ملامح وجهه تنفجر من الانزعاج.
"اللعنة!"
صرخ جوغول، وقد بدا التعب واضحًا في ملامحه.
كلماته كانت تخرج بلهجة مبحوحة، وكأن التعب قد أخذ منه كل طاقته.
و كان هاي يون عاجزاََ حتى عن إصدار صوت من شدة إرهاقه.
في حين كان تشيونغ ميونغ جالسًا في مكان قريب أمام طاولة صغيرة، بجواره تانغ بو وسيجين.
كان يراقبهم بلا اكتراث، ينظف أذنه ببطء وكأنه يتعامل مع طنين ذباب مزعج.
"تسك تسك، أطفال هذه الأيام يتذمرون من تدريب خفيف."
جاء صوته ساخرًا، وتعبير وجهه كان مزيجًا من الاستهزاء واللامبالاة.
بينما راح سيجين يضحك بحرج، يراقب السيوف الخمسة وقد بدا على أجسادهم الإرهاق الشديد، وقد خرجوا لتوهم من معركة مرهقة.
"ما الأمر؟"
سأله تشيونغ ميونغ، مظهرًا استغرابه وكأنه لا يعلم سبب نظرات سيجين المتأملة.
ف نظر إليه سيجين بابتسامة تخفي في طياتها قدرًا ضئيلاً من الحسرة.
"حسناً، هذا... أعتقد أنني أشعر بالغيرة قليلاً."
"الغيرة؟"
أمال تشيونغ ميونغ رأسه، مدهوشا من كلمات سيجين، الذي عاد للضحك مجددًا، متجنبًا نظراته وكأنها شعاع شمس لا يرغب في مواجهته.
لكن المفاجأة جاءت عندما تلقى ضربة غير متوقعة على ظهره.
رفع رأسه ليجد تانغ بو يربت عليه بقوة، ملامح وجهه تتلألأ بالمرح.
"هاهاها، بالطبع يجب أن تشعر بالغيرة! متى ستتسنى لك الفرصة للتدرب على يد المبارز الشهم الذي سيكتب أسطورة هذا الجيل؟"
بدأ جسد تانغ بو يهتز وهو ينطق تلك الكلمات، محاولًا استيعاب ضحكاته التي كانت تتسرب بلا فائدة.
لكن تشيونغ ميونغ كان يشوه وجهه بانزعاج وغضب، وكأنما كان يقاوم عاصفة تتصاعد في داخله.
"لن.. بفتت.. أكل.. أو.. بفتتتت.. أنام... حتى يشبع جميع سكان السهول الوسطى!"
راح تانغ بو يقلد نبرة صوت تشيونغ ميونغ، رافعًا رأسه بفخر كأنه يتقمص شخصية أسطورية.
لكن سرعان ما انفجر ضاحكًا، يخبط الأرض بيديه.
"هاهاهاهاهاها، هيونغ.. هذا... هاهاهاها!"
لكن
"اووه؟"
مع تعالي صوت ضحكاته، تزايد غضب تشيونغ ميونغ ليخرج سيفه، مع ابتسامة على وةهه، ابتسامة شيطانية تنذر بجحيم قريب.
"آه، هيونغ، توقف! أنزل سيفك، أرجوك.. اااا... لا بحق، هذه ليست طباع المحارب الشهم!"
"هاه؟ لما لا أريك إذاً طباع المحارب الشهم؟"
كان صوته مليئًا بالتحدي، بينما كانت ملامح وجهه تعكس مزيجًا من الغضب والمرح.
في تلك اللحظة، كان المشهد مشحونًا بالطاقة، حيث كانت ضحكاتهم تتردد في الفضاء، بينما كانت أشعة الشمس تغمر المكان، تضفي عليه أجواءً دافئة رغم الصراع الداخلي الذي كان يخيم على تشيونغ ميونغ.
كان كل شيء حولهم ينبض بالحياة، لكن في قلب كل واحد منهم، كانت هناك مشاعر مكبوتة بحاجة إلى التحرر.
وبعد لحظات، عادوا للجلوس بهدوء، حيث برز على رأس تانغ بو انتفاخ كبير نتيجة الضربة التي تلقاها من تشيونغ ميونغ.
كانوا يشربون معًا، وأصوات ضحكاتهم تتعالى في المكان، كأصوات طيور تحلق في السماء الصافية.
بينما كان السيوف الخمسة يصرون على أسنانهم من شدة التدريب القاسي، لكن مشهد الضحك والشرب الذي يقدمه تشيونغ ميونغ مألوفًا في حبل هوا، حيث عانوا من تعبهم ولكنهم وجدوا في ذلك الفرح نوعًا من الراحة.
لكن فجأة، رن في المكان صوتٌ كسر سكون اللحظة، كعاصفة تقتحم هدوء الصباح.
"قديس السيف!"
"قديس السيف!"
التفت الجميع، بما في ذلك تشيونغ ميونغ، نحو البوابة حيث كان رجل عجوز بملابس رثة يركض باتجاههم، يلوح بورقة بيديه كأنه يحمل رسالة من السماء.
كانت ملامح وجهه متجعدة، وعيناه تتلألآن بحماس مختلط بالقلق، مما أضفى جوًا من التوتر على المشهد.
عند رؤيته، خفض تشيونغ ميونغ كأس الشراب من يده، وتحولت نظرته المرحة والمسترخية إلى أخرى جادة، كفجر يبدد ظلام الليل.
تلاشت الضحكات من حوله، وكأنما سحب الغيوم فوق الشمس.
وهكذا، اختفى تشيونغ ميونغ من الطائفة في اليوم التالي، دون أن يعرف أحد إلى أين ذهب.
ترك خلفه ضحكات الأصدقاء وأصوات التدريب القاسية، بينما كانت الأجواء تكتسي بعباءة من الغموض والقلق.
كأنما كانت تلك اللحظة بداية لرحلة جديدة، أو ربما إلى مسار مظلم لا يعرف نهايته.
.............
...............
وسط الساحة المشمسة، حيث كانت أشعة الشمس تتسلل بين أوراق الأشجار، تسرب صوت أنين مزق سكون المكان، كصدى بعيد يتردد في الفضاء.
كان السيوف الخمسة يتدربون، يضعون صخورًا تضاعف أحجامهم على ظهورهم، وعيونهم تطلق شررًا حادًا، بينما كانت تعابير وجوههم تعكس مشاعر متناقضة من الإحباط والغضب.
"ذلك الوغد!"
انطلقت الكلمات من بايك تشيون، بينما كان وجهه مشدودًا، عينيه متسعتين قليلاً.
"الشيطان!"
أضافت يوي سول، مع تجاعيد واضحة على جبينها، وشفاهها مضغوطة معًا، بينما أومضت عيناها كشرار النار.
"ألا يمكنه أن يدعنا نرتاح حتى؟"
تساءل يون جونغ، وكان يبدو عاجزًا، حيث تكاد ملامح وجهه تنفجر من الانزعاج.
"اللعنة!"
صرخ جوغول، وقد بدا التعب واضحًا في ملامحه.
كلماته كانت تخرج بلهجة مبحوحة، وكأن التعب قد أخذ منه كل طاقته.
و كان هاي يون عاجزاََ حتى عن إصدار صوت من شدة إرهاقه.
في حين كان تشيونغ ميونغ جالسًا في مكان قريب أمام طاولة صغيرة، بجواره تانغ بو وسيجين.
كان يراقبهم بلا اكتراث، ينظف أذنه ببطء وكأنه يتعامل مع طنين ذباب مزعج.
"تسك تسك، أطفال هذه الأيام يتذمرون من تدريب خفيف."
جاء صوته ساخرًا، وتعبير وجهه كان مزيجًا من الاستهزاء واللامبالاة.
بينما راح سيجين يضحك بحرج، يراقب السيوف الخمسة وقد بدا على أجسادهم الإرهاق الشديد، وقد خرجوا لتوهم من معركة مرهقة.
"ما الأمر؟"
سأله تشيونغ ميونغ، مظهرًا استغرابه وكأنه لا يعلم سبب نظرات سيجين المتأملة.
ف نظر إليه سيجين بابتسامة تخفي في طياتها قدرًا ضئيلاً من الحسرة.
"حسناً، هذا... أعتقد أنني أشعر بالغيرة قليلاً."
"الغيرة؟"
أمال تشيونغ ميونغ رأسه، مدهوشا من كلمات سيجين، الذي عاد للضحك مجددًا، متجنبًا نظراته وكأنها شعاع شمس لا يرغب في مواجهته.
لكن المفاجأة جاءت عندما تلقى ضربة غير متوقعة على ظهره.
رفع رأسه ليجد تانغ بو يربت عليه بقوة، ملامح وجهه تتلألأ بالمرح.
"هاهاها، بالطبع يجب أن تشعر بالغيرة! متى ستتسنى لك الفرصة للتدرب على يد المبارز الشهم الذي سيكتب أسطورة هذا الجيل؟"
بدأ جسد تانغ بو يهتز وهو ينطق تلك الكلمات، محاولًا استيعاب ضحكاته التي كانت تتسرب بلا فائدة.
لكن تشيونغ ميونغ كان يشوه وجهه بانزعاج وغضب، وكأنما كان يقاوم عاصفة تتصاعد في داخله.
"لن.. بفتت.. أكل.. أو.. بفتتتت.. أنام... حتى يشبع جميع سكان السهول الوسطى!"
راح تانغ بو يقلد نبرة صوت تشيونغ ميونغ، رافعًا رأسه بفخر كأنه يتقمص شخصية أسطورية.
لكن سرعان ما انفجر ضاحكًا، يخبط الأرض بيديه.
"هاهاهاهاهاها، هيونغ.. هذا... هاهاهاها!"
لكن
"اووه؟"
مع تعالي صوت ضحكاته، تزايد غضب تشيونغ ميونغ ليخرج سيفه، مع ابتسامة على وةهه، ابتسامة شيطانية تنذر بجحيم قريب.
"آه، هيونغ، توقف! أنزل سيفك، أرجوك.. اااا... لا بحق، هذه ليست طباع المحارب الشهم!"
"هاه؟ لما لا أريك إذاً طباع المحارب الشهم؟"
كان صوته مليئًا بالتحدي، بينما كانت ملامح وجهه تعكس مزيجًا من الغضب والمرح.
في تلك اللحظة، كان المشهد مشحونًا بالطاقة، حيث كانت ضحكاتهم تتردد في الفضاء، بينما كانت أشعة الشمس تغمر المكان، تضفي عليه أجواءً دافئة رغم الصراع الداخلي الذي كان يخيم على تشيونغ ميونغ.
كان كل شيء حولهم ينبض بالحياة، لكن في قلب كل واحد منهم، كانت هناك مشاعر مكبوتة بحاجة إلى التحرر.
وبعد لحظات، عادوا للجلوس بهدوء، حيث برز على رأس تانغ بو انتفاخ كبير نتيجة الضربة التي تلقاها من تشيونغ ميونغ.
كانوا يشربون معًا، وأصوات ضحكاتهم تتعالى في المكان، كأصوات طيور تحلق في السماء الصافية.
بينما كان السيوف الخمسة يصرون على أسنانهم من شدة التدريب القاسي، لكن مشهد الضحك والشرب الذي يقدمه تشيونغ ميونغ مألوفًا في حبل هوا، حيث عانوا من تعبهم ولكنهم وجدوا في ذلك الفرح نوعًا من الراحة.
لكن فجأة، رن في المكان صوتٌ كسر سكون اللحظة، كعاصفة تقتحم هدوء الصباح.
"قديس السيف!"
"قديس السيف!"
التفت الجميع، بما في ذلك تشيونغ ميونغ، نحو البوابة حيث كان رجل عجوز بملابس رثة يركض باتجاههم، يلوح بورقة بيديه كأنه يحمل رسالة من السماء.
كانت ملامح وجهه متجعدة، وعيناه تتلألآن بحماس مختلط بالقلق، مما أضفى جوًا من التوتر على المشهد.
عند رؤيته، خفض تشيونغ ميونغ كأس الشراب من يده، وتحولت نظرته المرحة والمسترخية إلى أخرى جادة، كفجر يبدد ظلام الليل.
تلاشت الضحكات من حوله، وكأنما سحب الغيوم فوق الشمس.
وهكذا، اختفى تشيونغ ميونغ من الطائفة في اليوم التالي، دون أن يعرف أحد إلى أين ذهب.
ترك خلفه ضحكات الأصدقاء وأصوات التدريب القاسية، بينما كانت الأجواء تكتسي بعباءة من الغموض والقلق.
كأنما كانت تلك اللحظة بداية لرحلة جديدة، أو ربما إلى مسار مظلم لا يعرف نهايته.
.............
كانت تجاعيد الجبين تتشكل، مما أظهر تفكيره العميق، بينما كان قلبه ينبض بشدة، وكأنما يشعر بأن هذه اللحظة تحمل شيئًا أكثر أهمية مما يبدو. كأنما كان يدرك أن القدر قد يكون في انتظارهم، وأن هذا المتسول قد يكون هو المفتاح لفهم ما هو قادم.
.............
في غرفة زعيم الطائفة الأنيقة والمنظمة، كان تشيونغ مون جالسًا في صمت، يحتسي شاي البرقوق بهدوء.
على الرغم من سكون الجو، كان قلبه لا يزال مضطربًا، وكأنما يتأرجح بين هموم لا تنتهي.
بدت على وجهه تجاعيد القلق، التي كانت تتجلى مع كل رشفة، حيث كان يخرج تنهيدات عميقة، تغرقه في دوامة من الأفكار المظلمة.
فجأة، دق الباب، ليقطع صمت الغرفة.
"من؟"
سأل بصوت خافت، يكاد لا يسمع.
"إنه أنا، زعيم الطائفة، ساهيونغ."
"ادخل، جين آه."
دخل تشيونغ جين، وحيا تشيونغ مون باحترام، مائلًا برأسه في تقدير قبل أن يشير له زعيم الطائفة بالجلوس.
كان التعب باديًا على ملامح جين، وعينيه تحملان عبء الأخبار الثقيلة.
راح تشيونغ مون يسكب له شاي البرقوق في لحظة من الصمت المقلق، يراقب بخفاء كيف تشكل البخار في الهواء، كأفكار معلقة.
وبعد برهة، كسر جين هذا الصمت.
"ألم يستيقظ بعد؟"
سأل تشيونغ مون بنبرة قلق، ليهز تشيونغ جين برأسه نافياً ذلك، مما زاد من حدة التوتر في الغرفة.
"ماذا عن الآخر؟"
"لا أثر له."
"هاه..."
جاء صوت تشيونغ مون كصدى في فضاء الغرفة، حيث راح يتنهد بعمق مرة أخرى، كأنه يطرح كل ما في قلبه بلا حيلة ولا قوة.
بطريقة ما، بدا جبل هوا مختلفًا عن المعتاد.
كان الجو ساكنًا وهادئًا، لم يكن هناك أي أثر للضجيج والصخب السابق بسبب تشيونغ ميونغ.
كان كل شيء هادئًا جدًا، وكأنما الحياة قد توقفت، تاركة خلفها صدى الذكريات التي كانت تغمر المكان.
في تلك اللحظة، شعر تشيونغ مون بأن الهدوء كان أكثر قسوة من الضجيج، وكأن القلق يتسلل إلى قلبه كظل لا يفارقه.
.............
ببطء، انحنى تشيونغ ميونغ ليضع جسد صديقه وأخيه على ظهره، وكأنما كان يحمل عالماً من الأعباء الثقيلة.
كانت الأجساد تتدلى، والأرواح التي فقدت تتردد في ذهنه كأصداء.
كل حركة كانت تُشعره وكأن حديدًا يثقل قلبه، لكن لم يكن لديه الوقت للندم.
كان كل ما يهمه هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
بينما بدأ في النزول من الجبل، كان يراقب الجثث المتناثرة حوله، وكأنها حكايات مأساوية لم تُروَ.
كانت الوجوه الشاحبة، التي كانت تحمل في طياتها أحلامًا وأماني، الآن مستلقية بلا حراك.
كان قلبه يتمزق، وكل خطوة كانت تُشعره بأنه يدوس على كرامة تلك الأرواح.
"لماذا لم أستطع إنقاذهم؟"
كانت تلك الأفكار تدور في رأسه، وكأنها سكاكين تغوص في لحمه.
كان يشتعل بالندم، يشعر بأنه خائن لكل من فقد حياته، وأنه لم يكن كافيًا ليكون حاميًا.
في كل مرة كانت قدماه تلامسان الأرض، كانت الذكريات تعود إليه: ضحكاتهم، آمالهم، وكل اللحظات التي قضوها معًا.
ومع كل خطوة، كان الألم يزداد عمقًا، وكأنما كانت الخسارة تترك جروحًا في روحه لا تندمل.
كان يتمنى لو كان بإمكانه أن يعود إلى الوراء، ليمنع تلك اللحظات من الحدوث، لكنه كان محاصرًا في واقعٍ مرير، حيث لا مفر من الألم والفقد.
ومع ذلك، لم يكن بإمكانه التوقف، بل استمر في النزول، عاقدًا العزم على تكريم ذكراهم، حتى لو كان ذلك على حساب حياته.
وبعد رحيله، بقيت الجثث المتناثرة على الأرض كأشباح من الذكريات المؤلمة، تُحاكي صمت المكان الذي شهد مآسي لا تُنسى.
كانت الرياح تعصف، تحمل معها همسات الأرواح التي فقدت، وكأنها تستجدي من يراها أو يسمع قصصها.
مع مرور الوقت، بدأت الطبيعة تستعيد عافيتها، تُخفي آثار المأساة تحت طبقات من الأوراق والأعشاب.
كانت الطيور تعود لتملأ الأفق بأصواتها، لكن الأرض لم تعد كما كانت؛ فقد ترك الفقد أثرًا عميقًا في كل شيء.
الجثث، التي تناثرت، بدأت تتحلل ببطء، وتتلاشى في أحضان التراب.
ومع كل لحظة، كانت القصص تُنسى، لكن الروح التي كانت تسكن تلك الأجساد تركت بصمة على المكان، تجعل كل من يمر به يشعر بثقل الفقد.
في الليل، كانت النجوم تتلألأ في السماء، وكأنها تبكي على ما حدث، بينما كانت الأشجار تتمايل برفق، كأنها تقدم التعازي للأرواح المفقودة.
أما الجثث، فقد كانت تُعتبر جزءًا من حكاية جبل هوا، تُذكر كل من يقترب من المكان بأن الألم لا يموت، بل يتحول إلى ذكرى تلاحق الأحياء.
لكن ذلك كان قصة لمستقبل بعيد من الآن.
تحدي
احزرو ميونغي وين وايش صار
تعليقات
إرسال تعليق