في ليلة من ليالي الخيال، عندما تحل عتمة تسود الأفق، حينها يطل القمر، بجماله الفريد، وبشعاعه القرمزي الذي أضفى على السماء سحرًا لا يوصف.
كانت البحيرة، التي لا تظهر إلا كل مئة عام، تتلألأ كجوهرة ثمينة في قلب الطبيعة.
تكونت من تجمع قطرات الندى، التي تكدست على مدار السنين، وكأنها دموع نجوم سقطت من السماء لتتجمع في وعاءٍ سحري، مشبعة بضوء القمر الذي كان يرقص فوق سطح الماء برقة.
لتنعكس أضواءه القرمزية عليها لتبدو كسماء تتلألأ بالنجوم، كانت هذه اللحظة، التي تشكلت فيها الطبيعة بكل جمالها، تحمل وعدًا غامضًا، حيث يُقال إن قطرة من مياهها تكفي لمنح المرء طاقة داخلية نقية كصفاء الروح.
تشيونغ ميونغ الذي كان جالساً على طاولة إحدى الحانات في مدينة سيتشوان، راح يعبث بكأسه المملوء بالشراب، عاكسًا ملامح اللامبالاة على وجهه.
كان الضوء الخافت يتسلل من الشموع المشتعلة، مما أضفى جوًا من الدفء والسكون، ولكن حديث صديقه تانغ بو كان يقطع خيوط الراحة، إلا أن تشيونغ ميونغ كان يتمتم وتجاعيد الاستياء بادية على جبينه:
"ها؟ ياله من هراء! أتصدق هذه الخرافات؟"
قال بسخرية، وكأنه يرفض فكرة أن تكون البحيرة تحمل أي سحر.
"هيونغ، صدقني!"
ليرد تانغ بو بحماس، وعيناه تتلألآن كعيني طفل يحكي عن حكاية سحرية.
"لقد قرأتها في سجلات عائلة تانغ السرية!"
لكن ورغم حماسه، كان تشيونغ جالسًا بتململ، يحتسي الشراب وكأن طعمه يفتقر إلى النكهة، وكأنما يبحث عن متعة مفقودة في تلك الجلسة.
لكن الحماس المتزايد لتانغ بو وأفكاره المجنونة دفعاه لوضع يده على وجهه، محاولًا دفع صديقه بعيدًا عنه، وكأنما يريد أن يبعد عنه طيف الحماقة.
"اااه، توقف! أنت تفسد طعم الشراب!"
قاطع تشيونغ، معبرًا عن استيائه بخطوة متثاقلة نحو الوراء.
مما دفع تانغ بو لأن يحبط ويجلس عابس الوجه، لكن سرعان ما أشرقت عيناه بالحماس، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة كابتسامة لص يقتنص فرصة.
"هيونغ!"
نادى تانغ بو، وكأن في صوته جرسًا ينذر بمغامرة جديدة.
لكن تشيونغ ميونغ تراجع للخلف، مشمئزًا، وعلامات الاستفهام ترتسم على وجهه.
"ما الذي تريده الآن؟"
سأل، وقد ارتفع حاجباه في استفسار، بينما كان تانغ بو ينظر إلى زجاجة الكحول القريبة، كمن وجد كنزًا مدفونًا في أعماق الأرض.
بحركة سريعة، أمسك تانغ بو بالزجاجة وسكب محتوياتها في الكأس أمامه، حيث انسكب السائل الذهبي كما لو كان نهرًا من الضوء ينساب عبر الزمن.
بينما كانت القطرات تتراقص في الكوب، همس تانغ بو بصوت منخفض، وكأنه يتحدث إلى روح خفية.
"أتعلم؟ يعتبر ذلك السائل أيضًا كحولًا ثمينًا."
توسعت عينا تشيونغ ميونغ في دهشة، جاذبة انتباهه رغم محاولته إظهار اللامبالاة.
"برأيك، كيف يكون طعمه؟ كحول مضى عليه مئة عام أو أكثر؟"
كانت كلماته تتسلل إلى ذهنه كنسيم منعش يثير شغفه.
كلما استمر تانغ بو في الحديث، كان لعاب تشيونغ يسيل بشغف، وكأن الرغبة في اكتشاف هذا السائل القديم قد انتزعت منه كل شعور باللامبالاة.
ليتفاجأ تانغ بو وفتح عينيه على وسعهما، إذ رأى صديقه ينهض فجأة، عابسًا، ويرحل من المكان.
ظن تانغ بو أن خطته قد فشلت، لكن تشيونغ سرعان ما توقف، ووجهه مشبع بالتردد.
"ما الذي تفعله؟ ألم تقل إن الليلة هي غدًا؟ علينا الإسراع!"
عند تلك الكلمات، انبثقت ابتسامة عريضة على وجه تانغ بو، كأشعة شمس تشرق بعد عاصفة.
انطلق بسرعة خلف تشيونغ، وكأن الأمل قد عاد ليضيء طريقهما.
بينما خرجا من الحانة، اجتاحت رائحة الطعام الشهي أنوفهم وكأنها تدعوهم لمغامرة جديدة.
تسارعت أنفاسهم، وقلوبهم تخفق بشغف، بينما كانت النجوم تتلألأ في السماء، شاهدةً على انطلاقهم نحو المجهول.
كان الليل يلفهما بسحره، والأشجار المحيطة تتمايل برفق كما لو كانت ترقص على أنغام الرياح، تشجعهم على خوض مغامرتهم.
مع كل خطوة، كان الطريق يفتح أمامهم كصفحة جديدة من كتاب خفي، وكل لمحة من ضوء القمر ترسم مسارهم نحو الكحول القرمزي، ذلك السائل الذي يحمل بداخله سحرًا قديمًا وأسرارًا لم تُكتشف بعد.
..........................................
***2***
تقدم تشيونغ ميونغ وتانغ بو عبر الظلام الكثيف، حيث كانت الأشجار تتعانق فوق رؤوسهم كأنها تهمس بأسرار قديمة.
على الرغم من أن الطريق كان مليئًا بالعقبات، إلا أن عزيمتهما كانت تتحدى كل شيء.
كان تشيونغ ميونغ يبحث بشغف عن البحيرة المميزة، ولكن ما وجده كان مجرد بركة عادية محاطة بأشجار كثيفة.
عبس بانزعاج، وضيق عينيه وهو يلتفت إلى تانغ بو، الذي بدا كأن عرق التوتر يتصبب من جبينه.
"هاهاها، هيونغ... كما تعلم، أحيانًا قد لا تكون صحيحة، لكنها جميلة، أليس كذلك؟"
قال تانغ بو، محاولاً تخفيف حدة الموقف، بينما كان يتجنب نظر صديقه الغاضب.
"أااا، توقف! انزل سيفك، هيونغ، اسمعني أولاً... لا، أاااا!"
في لحظة غضب، ألقى تشيونغ ميونغ الحجارة في البحيرة، وكانت كل ضربة تثير حلقات من الماء، كأنها تعبر عن استيائه.
بينما تحول تانغ بو المسكين إلى كتلة من اللحوم المتكدسة.
ومن ثم استدار الاثنان عائدين في خيبة أمل.
وقبل أن يغادروا المكان، لم يستطع تانغ بو نسيان ما حدث، فالتفت للخلف ليتفاجأ بما رآه، وصاح قائلاً:
"هيونغ، انظر!"
كانت نبرته عالية، محاولاً جذب انتباه تشيونغ ميونغ، الذي كان مغمورًا في تفكيره.
"ما الأمر الآن؟ إذا كان هراءً، سأجعلك تندم!"
على الرغم من رد تشيونغ البارد، لم يستسلم تانغ بو، وظل يحاول جذب انتباهه كطفل يتشبث بأحلامه.
أخيرًا، التفت تشيونغ ميونغ، وقد استعد لتوجيه كلمات اللوم، لكن الكلمات اختنقت في حنجرته.
كانت عيناه تتلألآن كنجمتين في سماء حالكة، بينما نظر نحو المشهد المذهل الذي كشف عنه تانغ بو.
أمامهم، كانت البحيرة تتلألأ تحت ضوء القمر، محاطة بأشجار تكتسي بألوان خفية.
تجمدت اللحظة بينهما، حيث كانت الطبيعة تهمس بوعودها، ونسيم الليل يحمل رائحة الأرض الرطبة.
كما تلاشت مشاعر الغضب والإحباط، وحل محلها فضول عميق، وكأن السحر الذي كان يبحث عنه تشيونغ ميونغ قد بدأ يتجلى أمام عينيه.
كان القمر، الذي أضاء السماء بضياء فضي، قد تحول تدريجيًا إلى أحمر قرمزي، كدماءٍ تنزف تحت ضوء النجوم.
يراقب من عليائه، كأنما يمسك بخيوط القدر، بينما انعكس نوره على سطح البحيرة، مما جعلها تبدو كبساط مرصع بالنجوم المتلألئة.
اقترب تشيونغ ميونغ وتانغ بو من ضفاف البحيرة، وكان وجه تانغ بو مشرقًا، مليئًا بالسعادة والحماس.
"هاهاها! أخبرتك، أرايت هذا؟ هاهاها!"
صرخ، وكأن اكتشافه كان أعظم من كنزٍ دفين.
جلس تشيونغ ميونغ بالقرب من حافة البحيرة، متفحصًا محتوياتها بتشكك، وعيناه تتجولان بين الألوان المتلألئة.
مد يده نحو الماء، ولكنه لم يكن مستعدًا لما سيحدث.
فجأة، بينما كان تانغ بو يقفز بمرح، ارتطم قدمه بحجر ملتصق بالأرض، مما أدى إلى سقوطه.
"ها؟!"
صرخ، لكن حظه السيئ كان قد وضعه في مسار تشيونغ ميونغ، ليدفعه عن غير قصد نحو البحيرة.
لم يستوعب تشيونغ ما حدث، فقد انزلق في المياه، وكان وجهه متجهمًا بغضب يهدد بالوعيد، وتانغ بو يصر خ
"هيووووونغ!"
عندما سقط في البحيرة، وجد نفسه عالقًا في حالة غريبة، حيث كان عاجزًا عن الحركة، ومع ذلك، كان قادرًا على التنفس في أعماق الماء.
كانت البحيرة تحتضنه كعناقٍ دافئ، بينما بدأت صورته تتلاشى عن السطح.
بدأ يغوص أعمق وأعمق، وصورة تانغ بو التي كانت تلوح له من السطح أصبحت ضبابية أكثر فأكثر، كأنها شبح في عالم آخر.
ومع كل غطسة، كان الإحساس بالزمن يتلاشى، حتى غط في نوم عميق وسط تلك المياه الساكنة، حيث اختلطت الأحلام بالواقع، وصارت البحيرة موطنًا لسرٍ غامض.
في تلك اللحظة، كانت البحيرة تحت ضوء القمر القرمزي، تحرس أسرارها، وتنتظر من يكتشف ما يخفيه عمقها.
..........................................
***3***
فتح تشيونغ ميونغ عينيه ليجد نفسه محاطًا بسلسلة من الجبال الشاهقة، كانت تغطيها الغيوم كأنها تهمس بأسرار قديمة.
بدأ يتفحص المكان من حوله، باحثًا عن تانغ بو، لكن المكان بدا مألوفًا بشكل غريب، كلمحة من ذاكرة بعيدة، رغم أنه كان مختلفًا تمامًا.
تسلق الجبل بخطوات حذرة، بينما كانت أشعة الشمس تخترق الغيوم، تلقي بأضواء ناعمة على الصخور، فتبدو وكأنها تتلألأ كالألماس.
ومع كل خطوة، كان قلبه ينبض بشكل أسرع، وكأن الطبيعة تتنفس معه، في مزيج من الشغف والقلق.
عندما وصل إلى القمة، انكشفت أمام عينيه بوابة من خشب قديم، متهالكة، كأنها تحمل عبء الزمن.
كانت هناك لوحة فوقها مكتوب عليها "طائفة هواسان".
اتسعت عينا تشيونغ ميونغ بصدمة، إذ كانت تلك طائفته، لكن البوابة بدت مختلفة عن الصورة المهيبة التي احتفظ بها في ذاكرته.
حتى اللافتة المميزة التي كان ينظفها أخاه كل يوم قد اختفت، وحل محلها لافتة قديمة، مهترئة، وكأنها تعكس حالة الطائفة نفسها.
تقدم بخطوات مسرعة نحو البوابة، كأن قلبه يدفعه لاكتشاف ما حدث.
لكن كل خطوة كانت تثقل كاهله، ومشاعره تتلاطم في داخله كأمواج عاتية، بين الأمل والخوف.
لم يكن هناك أي أثر للقصر الذهبي الذي كان يتلألأ تحت أشعة الشمس، ولا الأرضية الرخامية التي كان ساهيونغ فخورًا بها.
كانت الصور تتجلى في ذهنه، ذكرياته تتراقص كأشباح من الماضي.
حتى المباني البسيطة والأنيقة التي تزين الطائفة قد استبدلت بأخرى متهالكة، تعكس آثار الزمن، وكأنها تعبر عن انهيار روح الطائفة نفسها.
توقف للحظة، وتوصل إلى فكرة تفسر كل هذا.
"أهذا وهم؟"
تساءل في نفسه، وكأن الكلمات تتردد في ذهنه كصدى بعيد.
نعم، الوهم هو الوحيد القادر على تفسير ما يراه.
طائفة جبل هوا العريقة، واحدة من الطوائف العشر الكبرى، من المستحيل أن تنهار وتتحول إلى حالة رثة كهذه.
تنهد بعمق، محاولًا استيعاب ما يحدث، بينما كانت الرياح تعصف من حوله، تحمل رائحة الأرض الرطبة وتهمس بأسرار الماضي.
وبينما كان تشيونغ ميونغ يتجول في ساحة الطائفة، عينيه تتفحصان المكان المحيط به، تفاجأ بصوت يناديه.
"تشيونغ ميونغ؟"
كان الصوت غير مألوف، مما دفعه للالتفات نحو مصدره بتساؤل.
لم يكن هناك الكثير من الأشخاص الذين يمكنهم مناداته باسمه بلا مبالاة كهذه، لا بل كان الشخص الوحيد الذي يفعل ذلك هو أخاه تشيونغ مون.
لكن ما ظهر أمامه كان مجموعة من الأطفال، لم تجف الدماء بعد من رؤوسهم.
على الرغم من أنهم لم يكونواً أطفالاً إلا أنه بالنسبة له فقد بدو كذلك، مما جعل الغضب يتسلل إلى تعابيره.
"ها؟؟؟ تشيونغ ميونغ؟"
جوغول الذي ناداه سابقاً، تراجع للخلف فزعاً عند رؤية التعبير المشوه على وجه تشيونغ ميونغ، ومن ثم انتقلت عيناه بين يون جونغ وبايك تشيون اللذان كانا خلفه طالباً المساعدة.
"هل فعلت شيئاً خاطئاً؟"
سأل بصوت خافت، ملامح القلق ترتسم على وجهه.
لكن بايك تشيونغ ويون جونغ ابتسما، وتراجعا للخلف، مما جعل جوغول يشعر بأنهم يتركونه وحده في المنتصف، كأنهم يتجنبون عاصفة غاضبة.
(بمقولة أخرى بايك تشيون وزفتون)
"الأوغاد الخونة!"
تمتم في نفسه، مشاعر الغضب والخذلان تتلاطم في صدره كأمواج عاتية.
بدأ الخوف يتسلل إلى جوغول، وهو يرى مصيره المحتمل يتجسد أمامه: التعرض للضرب على يدي تشيونغ ميونغ.
وكانت أفكاره تتلاطم كأمواج عاتية، وقلقه يزداد مع كل لحظة.
لكن في تلك اللحظة، رن صوت مألوف، يحمل نبرة مزعجة، مما جعل عينيه تتسعان بدهشة.
"ما الذي يجري هنا؟ لم لا تذهبون للتدريب؟"
التفت الجميع نحو صاحب الصوت، تعابيرهم مذهولة وغير مصدقة.
كان تشيونغ ميونغ، الذي خرج منزعجًا من غرفة زعيم الطائفة، بعد أن تم تكليفه بمهام إضافية.
لكن ما أثار ذهولهم هو حقيقة وجود اثنين من تشيونغ ميونغ في المكان.
توجهت الأنظار نحو تشيونغ ميونغ الدخيل، وكأنهم ينظرون إلى كائن غريب.
مع كل ثانية، بدأت لحظة من الإدراك تتشكل في أفكارهم.
"عند التفكير بالأمر، يبدو مختلفًا."
قال جوغول وهو يتفحص الدخيل بفضول، عينيه تتنقلان بين ملامح وجهه.
"ألا يبدو أطول؟"
أضاف يون جونغ، وهو ينظر إلى الدخيل وكأنما يحاول استيعاب الفكرة.
(عندك عين لتنظر؟ واو تفاجئت رغم اني الكاتبة)
"وأكثر وسامة ربما؟، وأقوى؟"
قال بايك تشيون، بينما كانت تعابير وجهه تحمل مزيجًا من الحيرة والإعجاب.
توقف الجميع للحظة، وكأن الزمن قد تجمد حولهم، حتى جاءت الصرخة المفاجئة التي شقت صمتهم
"إنه ليس تشيونغ ميونغ!"
تدحرجت كلمات الصدمة على لسان الثلاثة، بينما كانت يوي سول وسوسو، اللتان لاحظتا هذا الاختلاف منذ البداية، تتبادلان النظرات الشفقة.
كانت عيون يوي سول تحمل تعبيرًا ساخرًا، بينما كانت سوسو ترفع حاجبيها في استنكار، وكأنها تتساءل كيف لم يدركوا ذلك من قبل.
"أغبياء."
تمتمت يوي سول، بينما كانت سوسو تنظر إليهم بحيرة، كأنها تحاول فهم كيف يمكن لرفاقها أن يكونوا بهذا الغباء.
كان الهواء ممتلئًا بالتوتر، وكأن الأجواء قد احتقنت بمشاعر متضاربة.
وبعد لحظات، التفت السيوف الخمس نحو تشيونغ ميونغ، وقد اتسعت أعينهم بذهول.
كان التعبير الذي رأوه على وجهه غير مألوف، كأنه يحمل عبءًا من الذكريات والأحاسيس التي لم تُعبر عنها منذ زمن طويل.
بدا وكأنه رأى شبحًا، أو شيئًا ليس من المفترض أن يراه.
عرق بارد يتصبب من جبينه، بينما كانت أنفاسه تتعثر في صدره.
كان يعض على شفتيه بقوة، كمن يحاول كبح مشاعر تتأجج في داخله، بينما قبضت يده على مقبض سيفه، مرتجفة كأنها تعكس الاضطراب الذي يجتاحه.
.........
عندما رأى تشيونغ ميونغ نفسه من الماضي، كانت مشاعره تتصاعد في داخله كعاصفة.
في البداية، تجمد في مكانه، كأن الزمن قد توقف.
كانت ملامح وجهه تتغير، حيث اتسعت عينيه في ذهول، وارتسمت على شفتيه تعبيرات مختلطة من الخوف والصدمة.
شعر وكأن قلبه قد قفز إلى حنجرته، بينما كان يتلاطم داخله شلال من الأفكار.
"كيف يمكن أن يكون هذا حقيقيًا؟"
تساءل في نفسه، وهو يراقب النسخة القديمة منه تتقدم بتلك الثقة التي كان قد فقدها.
كان ذلك الشخص، قديس السيف، يمثل كل ما كان عليه، وكل ما فقده في صراعه مع الزمن.
تدفق العرق البارد على جبينه، وشعر وكأن المكان يضيق من حوله.
بينما كانت يداه ترتجفان بشدة، كأنها تبحث عن شيء لتتمسك به في بحر من الذكريات المؤلمة.
كانت تلك اللحظة تحمل عبءًا هائلًا من الندم، حيث تذكر الفشل الذي عاشه، والاختيارات الصعبة التي كان عليه اتخاذها.
"لما؟"
كانت أسئلته تتردد في ذهنه،
"لما أرى نفسي هنا، في هذا المكان؟"
أهو مجرد هلوسة؟ هل بلغت هلوساته تلك الدرجة من الواقعية؟ لكن سرعان ما هز رأسه محاولًا طرد تلك الفكرة.
لم يكن الوحيد الذي يراه، مما يعني أن الشخص أمامه هو كائن حقيقي، وليس خيالاً من خيالاته المزعجة.
تدفق الندم في عروقه كتيار جارف، وكأن كل لحظة من الماضي تتجسد أمام عينيه.
تذكر تلك اللحظات الحاسمة، عندما كان لم يستطع إنقاذهم، كان هناك شيء يتآكل في داخله، صوت يهمس له بأنه لم يكن كافيًا، وأنه خذل أولئك الذين وثقوا به.
الأشجار المحيطة كانت تتمايل بلطف، وكأنها تشهد على صراعه الداخلي.
حتى رائحة العشب الرطب في الهواء كانت تحمل عبق الذكريات، مما جعله يشعر وكأن الماضي يحيط به، يسحب جذوره إلى أعماق قلبه.
كان عليه أن يواجه هذه الرؤية، أن يتعامل مع شبح الماضي الذي يطارده، ويعيد بناء ما انهار، لكن الندم كان يثقل عليه كصخرة كبيرة، تجره إلى الأسفل، بينما كان يحاول أن ينهض من جديد.
بينما كان تشيونغ ميونغ الآخر يميل برأسه، يحاول فهم هذا الموقف الغريب، كانت أفكاره تتزاحم في ذهنه.
طائفة منهارة، أطفال ينادونه باسم تشيونغ ميونغ، هل اختلط عليهم الأمر بطفل يشبهه؟
بدا الأمر مضحكًا في البداية، فبدأت ضحكة ساخرة تتسرب من شفتيه، لكن سرعان ما تشددت ملامحه عندما شعر بنية قتل تتجه نحوه.
كان تشيونغ ميونغ الذي يقف بعيدًا، ينفث طاقة قاتلة تجتاح المكان، طاقة لم تكن موجهة نحو أحد، لكنها كانت تعكس الاضطراب الذي يعصف بكيانه.
بينما كان تشيونغ ميونغ يتأمل نسخته القديمة، شعور عميق من الغضب والندم بدأ يتدفق في عروقه كالنار.
بغتة، انطلق نحو نفسه الماضية، كأن ثقل العالم دفعه إلى الأمام.
لم يكن يدري سبب وجوده هنا، لكن شعورًا قويًا بالاحتياج للتعبير عن غضبه، أو حتى توجيه ضربة لنفسه، دفعه للاشتباك.
اندفع بقوة، كأنما يسعى لتحطيم القيود التي أسره بها الماضي.
لكن، وكما كان متوقعًا، أمام قديس السيف، كان تشيونغ ميونغ الحالي عاجزًا، وكأن قوة لا تُقهر أجبرته على العودة إلى الوراء، محلقًا كما أتى.
ارتطم بالأرض بقوة، بينما كان تشيونغ ميونغ الآخر يقف مذهولًا من الهجوم المفاجئ.
"لا بحق السماء، ما الذي تفعله فجأة؟"
صرخ، متجمدًا، ملامح وجهه تحمل مزيجًا من الانزعاج والاستغراب.
في تلك الأثناء، كان السيوف الخمسة، الذين تفاجأوا بوجود شخص قادر على دفع تشيونغ ميونغ بتلك السرعة، يمسكون بسيوفهم بوضعية دفاعية، يتجمعون أمام تشيونغ ميونغ المنهار، كأنهم يحاولون حمايته.
تشيونغ ميونغ الآخر، الذي لاحظ رد فعلهم، بدأ الانزعاج يتسرب إلى داخله.
"هاا؟؟؟ هؤلاء الأطفال اللعناء؟"
تحدث بغضب، ملامحه تتجعد في تعبير عن الاستياء.
الجو كان مشحونًا بالقلق، والأصوات تتداخل في خلفية الاضطراب.
وبينما كان السيوف الخمسة يستعدون للاندفاع في أي لحظة، رن صوت خافت في آذانهم.
"ساهيونغ."
كان صوت تشيونغ ميونغ بارداً، مرتجفاً، يحمل في طياته نبرة من الألم، كأوراق شجرة تتساقط في خريف قاسٍ.
نهض تشيونغ ميونغ، وهو ينفض الغبار عن ملابسه، وكأن كل حبة غبار تحمل جزءًا من ماضيه.
ومن ثم راح يمسح الدم الذي تسرب من شفتيه، تلامس أصابعه الجريحة مع الجروح القديمة في روحه.
كان يسير باتجاه نفسه الماضية، خطواته بطيئة ومتثاقلة، وكأن كل خطوة تحمل ثقل الذكريات التي لا تُنسى.
وعيون السيوف تتبعه بقلق، تتفحص ملامح وجهه التي بدت متوترة، وعيناه تحملان بريقًا من العزيمة مخلوطًا بالشكوك.
تجاوزهم، وابتسامة خافتة ارتسمت على شفتيه، لكنها كانت ابتسامة مريرة بشكل غريب، كأنها تعكس مشاعر معقدة من الفقد والحنين، وذكريات مؤلمة تتجسد في تلك اللحظة.
"ساسوك، إنه شخص أعرفه. هل... يمكن أن تدعنا بمفردنا؟"
قال، وكأن الكلمات تتردد في حلقه، محملة بثقل الطلب.
كانت نبرته مزيجًا من القوة والضعف، وكانت نظراته تبحث في عيون رفاقه عن تفهمهم.
"ما الذي تتحدث عنه؟"
صاح بايك تشيون رافضاً تلك الفكرة، غير قادر على استيعاب الحالة الغريبة لتشيونغ ميونغ.
ملامح وجهه تحمل القلق، وعيناه تتسعان في استغراب، مما جعل تشيونغ ميونغ يشعر وكأن عبئًا إضافيًا قد وُضع على كاهله.
لكن الكلمات التالية جعلت بايك عاجزًا.
"أرجوك."
كانت تلك الكلمة بسيطة، ولكن في نبرة صوته كان هناك شيء مؤلم، شيء غير معتاد.
لم يكن من الشائع أن ينطق تشيونغ ميونغ بكلمات الرجاء، ومع رؤية اليد المرتجفة التي تشير إلى التوتر في قلبه كانت كفيلة بأن تجعلهم يترددون.
"فهمت."
جاء رد بايك تشيون، بينما كانت ملامحه تتغير، ويبدو أنه يدرك عمق المشاعر التي تخفيها تلك اللحظة.
كان هناك توتر في الهواء، كأن الطبيعة نفسها تنتظر قرارهم.
لكن جوغول صاح رافضًا،
"ساسوك!"
ملامحه تعكس القلق، بينما كانت الأسئلة تتزاحم في ذهنه.
كان يشعر بأن ترك تشيونغ ميونغ وحده مع هذا الغريب قد يكون قرارًا خطيرًا.
قاطعه بايك تشيون بصوت حازم،
"فلنذهب."
كانت كلماته تحمل إصرارًا، وكأنها تعبر عن قرار قد اتخذ، مما جعل الجميع يستمع لهذا الأمر.
وهكذا، ابتعد السيوف من المكان، تاركين تشيونغ ميونغ مع قديس السيف بمفردهما.
كانت الأجواء مشحونة بالصمت، وكأن كل شيء توقف للحظة، بينما كان تشيونغ ميونغ يقف وحده أمام ماضيه، مشاعر متباينة تتصارع في داخله.
توجهت أنظاره نحو النسخة القديمة منه، وعيناه تلتقيان، كأن الزمن قد تجمد.
كان هناك شعور بالاندماج بين الماضي والحاضر، وبين الأمل والندم، بينما كان يتأمل ذاته في تلك اللحظة الفارقة.
...........................................
***3***
بعد أن فرغ المكان ولم يبقَ فيه سواهما، كان قديس السيف ينظر نحو الفتى الذي يشبهه بشكل غريب.
بدأت الابتسامة تتسلل إلى شفتيه، كأشعة شمس دافئة تتلألأ بين غيوم الشتاء.
فبينما كان الجميع من حوله ضعفاء ومثيرين للشفقة، كان من الممتع رؤية شخص يمتلك هذه القوة في هذا العمر.
كان الفتى يبدو كفهد شاب، يتأهب للقفز، وكأن الحيوية تتدفق في عروقه.
فكرة أن هذا الشاب يتفوق عليه في القوة عندما كان في سنه جعلت الحماسة تتأجج في قلبه كلهب متأجج في ليلة عاصفة.
تخيل ما سيكون عليه الفتى عندما يكبر، وكيف سيصبح أكثر قوة وعظمة، جعل زوايا شفتيه ترتفع خفية.
كما لم يكن الأطفال الآخرون بهذا السوء... لا، بل كانوا أسوأ من تلاميذ الطائفة التي عرفها.
لكن رغم ذلك، كان باستطاعته ملاحظة ذلك، الشخص الذي دربهم قد أوصلهم إلى أقصى حدودهم، وشحذ مهاراتهم بأفضل طريقة ممكنة، مما جعلهم يبدون وكأنهم مقاتلون منذ الولادة.
كان من المفارقة أنه هو نفسه من دربهم، رغم أنه لم يكن ليتخيل ذلك.
وبينما كان قديس السيف غارقًا في أفكاره، تفاجأ بشيء يندفع نحوه فجأة.
بحركة سريعة، التقطه، وراح يتفحصه بعينيه الورديتين اللامعتين، وكأن تلك العيون تحاول قراءة أسرار الكون في قطعة زجاجية بسيطة.
"ها؟ كحول؟"
تساءل بصوت خافت، بينما رفع بصره نحو الفتى، الذي كان يبدو متصلبًا وجامدًا، كتمثال من حجر، ملامحه مشدودة وكأنها تحمل ثقل العالم.
لكن قديس السيف، الذي اعتاد على رؤية الأمور من زوايا متعددة، التقط الكأس بابتسامة غامضة، تعكس الفضول.
"ها، إنه وهم غريب"
قال، وهو يدور الزجاجة بين أصابعه بخفة.
"وهم؟"
تساءل الفتى، وصوته كان بارداً كرياح الشمال، ينفث في الهواء روح الفتور.
نظر قديس السيف له باستغراب، محاولاً استيعاب هذا الجليد الذي يحيط به، ابتسم بسخرية وهز كتفيه بلا مبالاة قائلاً بنبرة مستخفة:
"إذاً ماذا؟ من السخافة أن تبدو طائفة جبل هوا على هذه الحال، إذا لم يكن وهماً..."
لكن وقبل أن يكمل كلماته، قطعته ضحكة تشيونغ ميونغ، التي اخترقت المكان كخنجر حاد، تملأ الجو بتوتر غير مألوف.
كانت ضحكة تشيونغ ميونغ كصوت رنين باهت في فراغ موحش، لا تحمل أي معنى من معاني السعادة.
بل كانت غارقة في الألم والمرارة، تتسلل عبر الهواء كغيمة ثقيلة تمطر ذكريات مؤلمة.
مثقلة بالسخرية من ذاته، كما لو كانت تعبر عن استسلامه لواقعه القاسي، مما جعل تلك الضحكة تتردد في أذنه كصدى لعاصفة قديمة، تعيد له ذكريات الفقد والألم.
عبس قديس السيف وهو يحدق به، عاقدًا حاجبيه في تعبير عن عدم الفهم.
بدا كمن يحاول فك لغز محير، حيث كانت ملامح وجهه تعكس مشاعر مختلطة من الاستغراب والقلق.
كانت العيون الوردية تتساءل عن أصل تلك الضحكة، بينما كان هدوء المكان يحيط بهما كعازف منفرد في عالم مليء بالضجيج.
"ما الذي يضحكك؟"
سأله، وكان في صوته نبرة من الإحباط، كمن يتحدث إلى شخص يعيش في عالم موازٍ.
وبينما كانت ضحكة تشيونغ ميونغ تتلاشى في الهواء، خرج من فمه صوت خافت، لكنه كان باردًا كعواصف الشتاء.
كان هذا الصوت يحمل كل المرارة التي تنفجر في قلبه في تلك اللحظة:
"ليته كان وهماً لعيناً."
"......."
" في كل مرة استيقظت بها، كنت أمل أن يكون المشهد الذي أراه مختلفًا... لكن بلا فائدة."
تقطعت عباراته، وارتعشت، وكأن الكلمات كانت تعبر عن جروح عميقة لا تندمل.
بالنسبة له، كانت هذه الحياة أشبه بجحيم حي، حيث علق كظل تائه في هذا المكان المألوف الذي أصبح غريبًا.
كان المفترض به أن يموت رفقة إخوته في ذلك الجبل، لكن لما كان هو الوحيد الذي عاد؟ لما كان عليه أن يتحمل عبء البقاء؟
في كل مرة يغمض فيها عينيه، يعود بذهنه إلى ذكريات تلك الحرب المريرة، إلى صور إخوته الذين فقدهم.
كانت الذكريات تتجسد في عقله ككابوس لا ينتهي، تعود لتطارده في كل زاوية من زوايا ذهنه.
وعندما يغفو ويحلم بلقائهم، يستيقظ ليجد نفسه محاطًا بوجوه مألوفة وغير مألوفة في آن واحد، وجوه تحمل قصصًا لم يكتبها، وتاريخًا لم يعشه.
في جبل هوا، حيث يعيش الآن، لم يكن هناك أي أثر من الماضي.
لم يكن هناك أي من إخوته الذين أحبهم، تشيونغ مون، تشيونغ جين، وصديقه الوحيد والأوحد تانغ بو.
كان يأمل لو كانت كل هذه المعاناة وهماً، خيالًا سيتلاشى عند بزوغ الفجر، لكن الواقع المر كان أقوى من أي خيال.
فقد كان كل شيء حوله يذكره بفقده، كالأشجار المتجذرة في الأرض، التي لا تستطيع أن تهرب من عواصف الحياة.
كان لزاماً عليه أن يعيد إحياء طائفته، أن يجعلهم أقوى، بما يكفي...
لمواجهة الطوائف العشر،
لمواجهة الطائفة الشيطانية،
أقوى بما يكفي لكي يستطيعوا الاستمرار حتى دون وجوده.
كانت الأفكار تتدافع في ذهنه كأمواج البحر الهائجة، تقتلع كل ما تبقى من هدوء، وهو يشعر بثقل المسؤولية يضغط على كاهله، كما لو كان يحمل جبلًا على ظهره.
ورغم أن الألم كان ينهش جسده ويأكل روحه، ورغم أنه كان كالميت بلا قبر يأويه، غريبًا في وطنه الذي ألفه، إلا أنه تظاهر بعكس ذلك.
كان يتقمص دور القوي، الصلب، الواثق.
يظهر بسمة مصطنعة، بينما قلبه كان يئن تحت وطأة الحزن.
كانت كل محاولة منه لإظهار القوة كذبة يرويها لنفسه قبل أن يرويها للآخرين.
"إذاً لماذا؟"
تساءل في داخله، بينما كانت عواطفه تتصارع.
"لماذا الآن يظهر ما يهز عالمي ويزلزل كياني؟"
في تلك اللحظة، كانت أشعة الشمس تتسلل من بين الأغصان، كأنها تحاول أن تعكس الأمل في عينيه، لكن تلك العيون كانت غارقة في الغيوم، تفيض بالدموع التي لم تسقط.
كان يشعر وكأن كل شيء حوله قد انزلق إلى واقع آخر، بينما هو عالق في فخ الذكريات.
كل لحظة تمر بدت كخنجر يغرس في قلبه، وكل ذكرى تعود كوشم على روحه، تذكره بما فقده.
وكان الألم يتصاعد في صدره، وكأن كل نفس يتنفسه كان مسمومًا بمشاعر الندم والحنين.
كيف يمكنه أن يستعيد ما فقده، وأن يجعل من نفسه رمزًا للأمل بينما هو محاصر في قاع اليأس؟ كان يتمنى لو يستطيع أن يمحو كل شيء، أن يعود إلى تلك اللحظة حيث كان مع إخوته، حيث كانت الضحكات تملأ الأجواء، وحيث لم يكن هناك ألم ولا فقد.
....................................
***4***
كانت السيوف الخمس تحدق بترقب بكل من تشيونغ ميونغ وقديس السيف، اللذين جلسا فوق أحد الأفاريز، يتبادلان النظرات وكأنهما يحيكان سرًا لا يُفصح عنه.
كانت زجاجات الكحول تتلألأ في ضوء الشمس، وكأنها تتحدى الواقع، بينما كان المشهد غريبًا، كلوحة فنية تفتقر إلى التوازن.
تعبيرات الوجوه المحيطة كانت تتراوح بين الفضول والاستنكار، بينما تساءل الجميع عن هوية الشخص الذي ادعى تشيونغ ميونغ معرفته، والذي جعل ذلك التعبير المرير يرتسم على وجهه.
وسط هذا السكون الثقيل، كان جوغول يعبث بشعره، وكأن أصابعه تحاول فك رموز الموقف الغامض.
وفجأة، قطع الصمت بصوته العالي، وكأنه أدرك شيئًا مهمًا
"هل يمكن أن يكون أخاه؟"
"هاه؟"
جاء رد الفعل سريعًا من بين الحاضرين، حيث اتجهت الأنظار نحو جوغول بعبوس، كما لو كانوا يتأملون سذاجته أو ربما عدم فهمه.
تراجع جوغول إلى الوراء، مرتبكًا تحت ضغط تلك النظرات الحادة، وتساءل في نفسه عن سبب عدم تفكير الآخرين بنفس المنطق.
"ماذا؟ أليس منطقياً؟ أعني، إنه يشبهه حقًا!"
قال مبررًا، لكن عينيه كانتا تعكسان عدم الثقة التي شعر بها الآخرون تجاهه، وكأن كل كلمة يقولها تُقابل بنظرة احتقار.
أخرج يون جونغ زفيرًا عميقًا، وحدق بجوغول بحدة، وكأنما يحاول اختراق جدران غبائه.
"جوغول."
"أجل، ساهيونغ."
"اصمت."
"أجل."
همس جوغول، وكأن الكلمات قد سقطت من فمه، متأملاً في العبوس الذي يعكس استياء الآخرين.
كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، وكأن الهواء نفسه كان يثقلهم.
"توقفوا عن التفكير، وهيا إلى التدريب!"
صرخ بايك تشيون بحزم، محاولًا فض الاجتماع الذي بدأ يتصاعد فيه مستوى الفضول.
لكن جوغول، الذي بدا غير راضٍ عن هذا القرار، راح يتذمر.
"ساسوك، ألست فضولياً؟"
نظر إليه بايك تشيون بعينين حازمتين، تعكس قوة الإرادة والرفض للعبث.
"أجل."
"إذاً؟"
"إذا كان أمراً يجب أن نعرفه، حينها سيخبرنا به تشيونغ ميونغ. لا فائدة من بقائنا هنا والتفكير بلا داع."
كانت كلماته تتردد في الهواء كأنها تعبير عن قلق جماعي.
بينما بدأ الآخرون يتحركون نحو التدريب، ونظراتهم تحمل تساؤلات لم تُطرح، كما لو كانوا جميعًا يشعرون بعبء ما على كواهلهم.
.....................
كان تشيونغ ميونغ وقديس السيف يجلسان سوياً على حافة الأفاريز، يتبادلان كؤوس الشراب بصمت ثقيل يطغى على المكان.
و الأجواء محاطة برائحة الكحول والخشب القديم، بينما كانت أشعة الشمس تتلاشى ببطء في الأفق، ترسم لوحة غامضة من الألوان الدافئة.
مرت بضع لحظات، ومع كل رشفة، كانت الزجاجة الأولى تتلاشى، تليها الثانية والثالثة، وكأنهما يغرقان في بحر من الذكريات المرة.
كان قديس السيف يتأمل تشيونغ ميونغ، عينيه تتنقلان بين ملامحه، محاولاً استيعاب ما يختبئ خلف تلك النظرة الخافتة.
ومن ثم أخذ يميل الكأس في يديه، وكأن الوزن الثقيل للكلمات التي سيقولها يتطلب توازنًا خاصًا. ثم انفصلت شفتيه عن بعضهما في همس غير مصدق:
"أتقول أن هذا المكان هو المستقبل؟"
"أجل."
جاءت إجابة تشيونغ ميونغ بصوت خافت، خالٍ من الحياة، كأنه فقد كل شغف في هذه اللحظة.
كانت عيناه، اللتان تعكسان عمق الألم، تحدقان في الفراغ، وكأنهما تبحثان عن شيء مفقود.
"وأن الطائفة تدهورت لهذه الحالة؟"
سأل قديس السيف، وقد بدأ صوته يتعالى ببطء، محاولًا استيعاب الكارثة التي أحاطت بهما.
"أجل."
توقف قديس السيف للحظة، كما لو كان يحاول أن يلتقط أنفاسه بين صدمات الواقع.
كانت ملامحه تحمل مزيجًا من الحيرة والخيبة، وعبوسه يعكس صراعًا داخليًا بين الماضي والحاضر، لكنه وبعض لحظات أومأ برأسه بهدوء كما لو كان قد تقبل الأمر.
"همم، إذاً هكذا هو الأمر."
حدق تشيونغ ميونغ في قديس السيف بذهول، غير مصدق لردة فعله الهادئة.
عندما فتح عينيه في هذا الجسد الجديد، كان أول ما تبادر إلى ذهنه هو جبل هوا، مشهد الطائفة في حالة انهيار، وقد خنقته الصدمة حتى فقد وعيه.
لكن قديس السيف بدا غير مكترث، وهو يعبث بكأس الشراب في يده، كأنه في عالم آخر لا يمت بصلة إلى الاضطراب الذي يعتري تشيونغ ميونغ.
تأمل قديس السيف في ردود أفعاله، ورسم على وجهه تعبيرًا غير مبالٍ، بينما تحدث بنبرة فاترة.
"وهل هذا مهم؟ لما علي أن أقلق بشأن أطفال لا أعرفهم حتى؟"
كانت الكلمات تنساب من شفتيه كأنها لا تعني شيئًا، بينما كان يميل برأسه قليلاً، متجاهلاً المشاعر المتدافعة في قلب تشيونغ ميونغ.
توقف للحظة، وكأنه يستمتع بلحظة الصمت، ثم ارتشف الكحول مرة أخرى، كأن تلك الرشفة تعيد له شيئًا من الهدوء.
"كواااه، لكنها قصة مسلية للاستماع لها أثناء الشراب."
عندها تسللت سخرية جافة من شفتي تشيونغ ميونغ، وكأن تلك الإجابة كانت بمثابة صدمة جديدة.
ذكّرته بتلك الأنانية التي عانى منها سابقًا، بتلك الأوقات التي كان فيها متقوقعًا حول نفسه، غير مبالٍ بالعالم من حوله.
"قصة مسلية، أجل، أعتقد أن هذا ما كنت لأفكر به في ذلك الوقت."
"ها؟"
جاء رد قديس السيف، تتخلله علامة استغراب، لكن نبرة صوته كانت تعكس عدم الاكتراث.
تجمدت اللحظة بينهما، حيث تملكت الأجواء سحابة من الهدوء المطبق.
كانت رائحة الكحول تتداخل مع رائحة الخشب القديم، بينما كانت الظلال تتراقص حولهما في ضوء الغروب.
كان كل شيء يبدو متناقضًا، بين خفة الكأس وثقل الواقع الذي يعيشان فيه.
وبعد لحظات عبس قديس السيف وهو يحدق في تشيونغ ميونغ، الذي بدا كغارق في تفكير عميق، كأنما كانت أفكاره تدور حول كواكب بعيدة.
"ما الذي تعنيه؟"
سأل قديس السيف، وهو يرفع حاجبيه بتعبير من عدم الفهم، لكن في عينيه كان هناك بريق من الملل.
أخرج تشيونغ ميونغ زفيرًا عميقًا، وكأنما كان يخرج كل الألم الذي يحمله في صدره.
وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، لكنها كانت مريرة، كأنها تعكس جروحًا لم تلتئم بعد.
"إذاً هل أخبرك بواحدة أكثر تسلية؟"
"ها؟"
"من أين أبدأ؟ من الطائفة الشيطانية؟"
كانت الكلمات تخرج من فمه كما لو كانت سكاكين، تجرح كل ما حوله.
"الطائفة الشيطانية؟"
كرر قديس السيف، متسائلا عن هويتهم، لكن لم يبد حقا مهتما بذالك.
"أم الحرب؟"
استمر تشيونغ ميونغ، وكأن كل كلمة كانت تعزز من نيران مشاعره المكبوتة.
"....."
ظل قديس السيف صامتاً، بينما كان جسد تشيونغ ميونغ يهتز من الغضب والألم.
"أم من فقدان جين وعدم قدرتي على إنقاذه؟"
كانت الكلمات تتدفق من بين شفتيه، تحمل معها شبح الذكريات المؤلمة.
و للحظة، اهتزت يد قديس السيف، كانت رجفة طفيفة، لكنها سرعان ما تلاشت تحت برودة تعبيره.
"أم علي إخبارك كيف مات ساهيونغ أمام عيني؟"
تصاعدت نبرة تشيونغ ميونغ، وكأنها تحاول اختراق جدار اللامبالاة التي أحاطت بقديس السيف، فراح يضع الزجاجة على الأرض وقد عزف عن الشرب، إلا أن تعبيره البارد لم يتغير.
"أم ربما بكيف لم أستطع فعل شيء بينما أفقد صديقي الوحيد بين يدي؟"
بدا صوت تشيونغ ميونغ مكتومًا ومبحوحًا، وكأن القهر الذي يخفيه خلفه يتسرب عبر كل كلمة.
"أوه، هل تود سماع كيف ستقطع ذراعك وتموت؟ ستكون قصة مسلية كذلك، ألا تعتقد؟"
كانت السخرية تتخلل صوته، لكنها كانت مشوبة بالحزن العميق.
وفي تلك الأثناء لم ينطق قديس السيف بأي كلمة، بل راقب ارتجاف تشيونغ ميونغ بصمت، بينما كان يغلي من الغضب بداخله.
كان يعلم أن ما يفعله الآن غير منطقي، أن يلوم نفسه القديمة ويسخر منها، لكنه لم يستطع تمالك نفسه.
تدفقت الكلمات التي كتمها طويلاً من فمه كسيول متمردة، تحمل معها عبء سنوات من الألم والندم.
لم يكن يدري أكان من السهل نطق تلك الكلمات لأنهما الشخص نفسه، أم لأنه ناقم على ذاته، يتأمل في خيباته وكأنها مرآة تعكس عيوبه.
وبعد لحظات من الصمت الذي كان يثقل الجو حولهما، بدأ قديس السيف ينقر على لسانه بانزعاج.
"تسك تسك، لم أتوقع أن يأتي يوم أرى فيه نفسي بهذا الشكل المثير للشفقة."
كانت نبرته تحمل سخرية واضحة، كأنما يستمتع بلعبة الكلمات التي تدور حولهما.
رفع تشيونغ ميونغ بصره، وراح يحدق به، بينما تعبير مظلم يعتلي وجهه.
كانت عينيه تعكسان صراعات داخلية، كأنهما نافذتان تفتحان على عواصف من الذكريات المؤلمة.
تجاهل قديس السيف تلك النظرة، وراح يسأله بفضول
"إذاً، هل تندم؟"
إلا أن إجابة لم تأت من تشيونغ ميونغ، ورغم ذلك كان تعبير وجهه كفيلاً بالإجابة.
دفع ذلك قديس السيف للعبوس قليلاً، وبدأ يقلب بصره في أرجاء الطائفة والتلاميذ.
حيث قد أدرك هوية الشخص الذي دربهم بهذه الطريقة المتينة.
نعم، كان من المستحيل أن يقوم أحد بهذا العمل المتقن سواه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة راضية، ثم همس بصوت خافت كأنه يتحدث إلى نفسه:
"أعتقد أن ساهيونغ سيكون فخورًا عند رؤية ذلك."
انتفض تشيونغ ميونغ عند سماع كلماته، وحدق به بذهول.
"فخور؟"
تساءل في نفسه، بينما نظر إلى الطائفة مرة أخرى.
كانت الأرض الترابية البالية، والتلاميذ الضعفاء الذين استطاع رؤيتهم، ولم يستطع أن يفهم أي جزء من هذا يجعله فخورًا.
وبغير إدراك منه، تسربت الكلمات من فمه:
"فخور مؤخرتي!"
لكن وعلى الرغم من سماع قديس السيف لتلك الكلمات، إلا أنه تجاهلها كما لو أنها لم تكن، وكأنما كان يتجاهل الألم الذي يعتمل في قلب تشيونغ ميونغ.
"لا أعتقد أن ساهيونغ يمكنه تخيل ذلك. جبل هوا الذي سأصنعه، هيهيهي سيكون من الرائع رؤية ردة فعله."
اتسعت عينا تشيونغ ميونغ بذهول، وكأنما صُدم بفكرة غير متوقعة.
لم يستطع أن يفهم كيف بدا هذا المظهر المثير للشفقة رائعًا في عيني قديس السيف.
في تلك اللحظة، وبطريقة ما، وعلى الرغم من مشاعر الندم والمرارة في قلبه، إلا أن فكرة قد جديدة تبلورت في ذهنه، مما جعله يدرك حقيقة مهمة.
تشيونغ ميونغ الحالي أصبح مختلفًا بشكل كبير عن قديس السيف.
في الماضي، لم يكن شخصًا ينظر للمستقبل أو يبال به؛ كان يعيش حياته بلا اكتراث، كأنه عابر سبيل في عالم لا يعني له شيئًا.
لذا كان من المستحيل على قديس السيف الذي أمامه أن يتخذ خطوة لتغيير ذلك الماضي المرير.
لكن الاختلاف الأكبر كان نظرتهما للأمور.
كان الندم يغطي رؤية تشيونغ ميونغ، لذا ومهما بلغت عظمة الأشياء التي يفعلها إلا أنها في عينيه كانت ضئيلة بلا قيمة.
شعور الذنب سلب منه أي فخر أو سعادة.
بالنسبة له، كان كل ما يفعله مجرد محاولة لإعادة جبل هوا إلى ما كان عليه، لذا فإن أي شيء عدا ذلك لم يكن شيئًا بالنسبة له.
وبينما كان تشيونغ ميونغ غارقًا في أفكاره، تفاجأ برؤية قديس السيف ينهض من مكانه، وينفض ملابسه كأنه يتخلص من غبار الذكريات.
"ما الذي تفعله؟"
سأل تشيونغ ميونغ باستغراب، لكن قديس السيف ابتسم وهو يتجه نحو الساحة، مما دفع تشيونغ ميونغ ليتبعه بانزعاج.
كانت برودة قديس السيف مستفزة بشكل كبير بالنسبة له، وكأنها تذكره بمدى ضياعه.
بطريقة ما، شعر بالأسف نحو إخوته في الماضي، الذين تحملوا مزاجه وشخصيته تلك.
وقف قديس السيف وسط الساحة، مستلًا سيفه، ونظر إلى تشيونغ ميونغ بابتسامة مستمتعة على وجهه.
"إذاً، لما لا تدعني أرى كم أصبحت ضعيفاً أيضاً؟"
وضعت يدي تشيونغ ميونغ على رأسه، يائسًا من أي محاولة لتغيير الماضي.
مع تلك الشخصية، لولا الحرب، لما استطاع حتى التفكير في فعل شيء لطائفته.
لذلك، استل سيفه هو الآخر، متنهداً بعمق.
لكن هذا لم يكن كل شيء، ففي الواقع، كانت تلك فرصة قيمة له؛ لا يوجد شخص يمكن أن يتقاتل معه بشكل متساوٍ، أو يقارن قوته بنفسه الماضية أفضل منه.
وأثناء شروده، تفاجأ بالسيف وهو يكاد يخترق رقبته.
تراجع بحركة سريعة، لكن السيف خدش وجهه، تاركًا أثرًا أحمر يتوهج على بشرته.
وقف قديس السيف، ساندًا سيفه إلى كتفه، يتلاعب به بطريقة ماكرة، وقال بنبرة ساخرة:
"لا أريد أن أسمع أي شيء منك عن كونه غير عادل أو ما شابه. أفضل الموت على ذلك."
"ها؟"
جاء رد تشيونغ ميونغ، بينما بدأ الغضب يتسلل إلى أعماقه.
لكن قديس السيف لم يتوقف عند ذلك الحد.
"لا داعي للقلق، سيستمع ملك الجحيم لشكواك بشكل جيد."
راح تشيونغ ميونغ يمسح الدم من على وجهه، وكأنه يتحول إلى شيطان من الغضب.
ومن ثم اندفع نحو قديس السيف بقوة، لكن الأخير بدأ يتفادى ضرباته، وكأنهما رقصة خطرة بين الحياة والموت.
كانت عينا قديس السيف تتسعان بذهول، ويبدو عليه الاستمتاع بتلك المباراة المتوترة، فعلى الرغم من أن طاقة تشيونغ ميونغ كانت أضعف من طاقة قديس السيف، إلا أن خبرته تفوقه بمراحل.
ورغم الضوضاء الصاخبة التي خلفها قتالهما، لم يأتِ أحد.
كان قديس السيف قد حرص على ذلك، حيث نشر طاقته في المكان، مانعًا الصوت من الوصول إلى أي أذن خارجة.
ومن ثم في لحظة، انطلقت الحركة، حيث اندفع تشيونغ ميونغ نحو قديس السيف، موجهًا طعنة سريعة إلى قلبه.
قديس السيف، الذي كان يعرف كل خبايا القتال، انحنى برشاقة، متجنبًا الطعنة، وسرعان ما ردّ بضربة سريعة، سيفه يقطع الهواء.
ليتجنب تشيونغ ميونغ الضربة بمرونة، ولكن لم يكن هناك وقت للراحة.
استدار بسرعة، ليقوم بحركة قوسية بسيفه، ليقطع في اتجاه كتف خصمه.
لكن قديس السيف لم يكن ليقف مكتوف الأيدي؛ فقد تراجع بخطوات مدروسة، واستخدم سيفه كدرع، ليصد الضربة قبل أن يندفع مجددًا نحو تشيونغ ميونغ.
كانت كل حركة محسوبة بدقة، حيث كان كلاهما يراقب أي ثغرة يمكن استغلالها.
ومن ثم انزلق تشيونغ ميونغ إلى الجانب، مستخدمًا سيفه في حركة سحب، ليشدد قبضته على النصل ويجذبه نحو الأسفل، محاولًا قطع يد خصمه.
لكن قديس السيف استجاب بسرعة، رافعًا سيفه في حركة دائرية، ليصد الضربة ويعيد توازن المعركة.
تبادل السيفان الضربات في تناغم مخيف، كل نصل يلمع في ضوء المعركة، يتقاطع ويعود إلى النقطة.
قطع هنا وطعن هناك، وكان كل منهما يهدف إلى اللحظة المثالية، حيث يمكن أن تنتهي المعركة بضربة واحدة.
مع كل حركة، كان تشيونغ ميونغ يسعى للضغط على قديس السيف، مستفيدًا من خبرته القتالية.
وفي لحظة حاسمة، قام تشيونغ ميونغ بخطوة سريعة للأمام، طاعنًا بسيفه بكل قوته.
لكن قديس السيف، برشاقة غير متوقعة، انحنى مجددًا، وبدلاً من الرد المباشر، قام بحركة مفاجئة، جاذبًا سيف تشيونغ ميونغ نحو الأسفل، مما جعله يفقد بعض السيطرة.
فجأة، انزلق النصل من يد قديس السيف، كأنه يجسد الرياح المتقلبة، مما خلق لحظة من الارتباك.
راح قديس السيف يحدق بيده، ليلاحظ أنها بدأت تصبح ضبابية، بينما لم يتح له تشيونغ ميونغ الوقت للتفكير.
برشاقة لا تصدق، أطلق طعنة مباشرة نحو قلب قديس السيف، عازمًا على استغلال تلك الثغرة.
لكن قديس السيف وقد أدرك الخطر المحدق، حرف اتجاه سيف تشيونغ ميونغ مما قلل من حدة الطعنة.
عندما رأى الدم يتساقط من جنب قديس السيف، توقف تشيونغ ميونغ بذهول، وقد لاحظ غرابة الموقف.
'لم تكن تلك الضربة التي يصعب تجنبها عليه، فكيف؟'
لكن حيرته لم تدم طويلاً، حيث نظر قديس السيف إلى جسده، ولاحظ كيف بدأ يتلاشى تدريجيًا، كأن روحه تتفكك أمام عينيه.
"هل هو وقت العودة إذن؟ تسك، كان هذا ممتعًا..."
همس لنفسه، بينما كان تشيونغ ميونغ يراقبه، مشاعر متضاربة تتلاطم في صدره.
نظر إلى قديس السيف، نفسه الماضية، وهي تتلاشى أمام عينيه.
لم يكن يدري إن كان هذا اللقاء حلمًا أم هلوسة، لكن بفضله استطاع ملاحظة شيء قد غفل عنه.
لا يزال الندم يعتصر قلبه وينهش روحه، لكن رغم ذلك، قال بصوت خافت
"أنا أقوم بعمل جيد، أليس كذلك؟"
نظر بعيدًا كما لو كان يخاطب روحًا غائبة، وكان يعلم أن إجابة لن تأت.
لكن خطواته توقفت فجأة،
"بالطبع، أيها الأحمق، لما تسأل حتى؟"
التفت ليجد قديس السيف الذي لم يتلاشَ بعد، يحدق به بانزعاج.
تلك النظرة، الممزوجة بالدهشة والاستنكار، دفعت تشيونغ ميونغ للابتسام قليلاً.
كانت تلك الابتسامة تحمل في طياتها مرارة الذكريات، لكنها كانت أيضًا شعاعًا من الأمل وسط الظلام الذي يحيط بهما.
.....................
"هيونغ!"
صرخ تانغ بو، يردد الاسم وكأنه يحاول انتشاله من عمق الذكريات الغامضة.
"هيونغ!"
تكررت النداءات، لكنها كانت تائهة في ضباب الوعي الذي بدأ يتلاشى.
كان تشيونغ ميونغ يشعر بأنه يغرق عميقًا من جديد، نفس الشعور الذي انتابه عند قدومه إلى هذا المكان، حيث كان ضوء النهار يتلاشى في الأفق.
بدأت رؤيته الضبابية تتضح شيئًا فشيئًا، ليجد نفسه لا يزال يغرق في البحيرة.
كانت المياه حوله باردة، وكأنها تحتضنه برفق، بينما كان تانغ بو يناديه بلا كلل، صوته يتردد كصدى بعيد في أعماق قلبه.
استجمع قواه وبدأ يسبح نحو الخارج، وقد استعاد وعيه، وعادت الحرية لأطرافه، لكن توقف للحظات والتفت للخلف قبل أن يخرج من البحيرة، ليلمح كلمات محفورة على صخرة في قاعها:
"إذا كان من يسكر بمجد الماضي أموات، فمن ينسى حاضره وينغمس بمستقبل مجهول، يُفقد نفسه في سراب الأحلام، ولا يجني سوى الندم على لحظات ضاعت بين غيوم الأمل والخوف."
خرج تشيونغ ميونغ من البحيرة، وكأنما انكشفت أمامه أسرار المستقبل المرير، ليجد تانغ بو يتراجع للخلف بخوف، وكأنه رأى شبحًا من عالم آخر.
وضع يده على رأسه، مستعدًا لتلقي ضربة جراء إسقاطه بالبحيرة، لكنه تفاجأ بتشيونغ ميونغ الذي ظل في مكانه، يحدق بها وكأنه يستجلي أسرارها.
بعد لحظات من الصمت، أخرج تانغ بو زجاجة كحول من جيبه، مناديًا تشيونغ ميونغ بحماس:
"هيونغ، انظر ماذا لدي!"
التفت تشيونغ ميونغ إليه، وابتسم عند لمح الزجاجة، وكأنها كانت شعاع أمل في بحر من الذكريات.
وهكذا جلس الاثنان بجوار البحيرة البراقة، حيث كانت المياه تتلألأ كالألماس تحت أشعة الشمس المتلاشية.
تبادلا كؤوس الشراب، بينما بدأ تشيونغ ميونغ في سرد ما حدث له، وكأن الكلمات تنساب من فمه كأنها ماء نقي يتدفق من نبع بعيد.
"ها؟ هيونغ؟ يعتني بالأطفال؟"
"هاهاها، هل تصدق ذلك؟"
"هيونغ، هل فقدت عقلك؟... اااا، توقف، اهدأ، كنت أمزح!"
أعاد تشيونغ ميونغ سيفه بعد أن أبرح تانغ بو ضربًا، وابتسم وهو يلعب بكأس الكحول، وهي تتلألأ في يده كأنها تحمل بريق الحياة.
كانت تلك تجربة لن ينساها بكل تأكيد، حيث كانت الضحكات تتردد في الأجواء، كأنها موسيقى تعزف على أوتار الذكريات.
وضع الكأس في فمه وبدأ يتجرع منها، بينما كان الاثنان في هذا الحال، اتسعت عينا تشيونغ ميونغ وتانغ بو بجمال المشهد حولهما.
كانت البحيرة تمتد كمرآة كبيرة تعكس جمال الليل، حيث كانت المياه هادئة وشفافة، تتلألأ تحت ضوء القمر القرمزي الذي كان يسلط أشعته كستارة من الدماء على سطحها.
حواف البحيرة كانت محاطة بأشجار كثيفة، أغصانها تتمايل بلطف في النسيم، كأنها تتراقص على أنغام الليل.
وكانت الأوراق تتلألأ بلون الفضة، تكتسب بريقًا خاصًا تحت ضوء القمر القرمزي.
كل شيء كان يبدو مشحونًا بالطاقة، وكأن الطبيعة نفسها كانت تراقب بحذر.
فوق سطح الماء، كانت اليراعات تتجمع، تتوهج كجواهر صغيرة تنثر الأضواء الخضراء اللامعة.
كانت تتراقص في تناغم، وكأنها ترسم لوحات فنية في الهواء، تضفي لمسة سحرية على المشهد.
كل ومضة من اليراعات كانت تضيف بعدًا آخر للبحيرة، وكأنها تنسج خيوطًا من الحلم بين الماء والسماء.
بينما كان كل شيء حولهما ينفجر بالحياة، كانت قلباهما مليئان بالذكريات والأحلام، وكأن العالم من حولهما قد استعاد نضارته بعد فترة طويلة من الظلام.
كان النسيم الخفيف يحمل عطر الأزهار البرية، ويتراقص بين الأشجار كأنما يحتفل بعودتهما إلى الحياة.
لكن، بعد أن رحلا من المكان، تناسيا كل شيء كأنه لم يكن، وكأنما كانت تلك اللحظة سحرية، محوّلة كل الآلام إلى غبار.
لم يعلما سبب ذلك، ولكن في عمق تلك الغابة، وعلى صخرة مهيبة، كُتبت كلمات ترمز إلى ألم عميق.
كانت تلك كلمات رجل لم يستطع إلا أن يتعلق بالمستقبل ويتشبث به، حتى خسر حاضره وحياته بأكملها.
من شدة ندمه، بدأ يبحث عن طريقة للتخلص من تلك البوابة الغريبة التي حجزته في دوامة من الذكريات المؤلمة.
تكونت البحيرة من تلك المعاناة، لتصبح الكحول القرمزية دواءً ينسي من يحتسيه كل ما رآه في تلك الليلة.
كانت المياه تعكس ضوء القمر، وكأنها تحتفظ بأسرار تلك الأرواح التي عانت في صمت، بينما كانت اليراعات تتراقص فوق السطح، مضيئة المكان بخيوط من الأمل وسط ظلال الماضي.
فكانت تلك البحيرة بوابة، ليس للمستقبل، بل للغموض.
تعكس صراعات الماضي وتجارب الأفراد الذين مروا بها.
وفي عمقها، كانت تتواجد ذكريات تتلاشى، تترك فقط أثرًا في النفوس.
لم تكن مجرد مياه، بل كانت رمزًا للندم، للكحول القرمزية التي تلاشت في الأذهان، لتمنح الراحة المؤقتة.
فرغم أن رؤية المستقبل كانت فرصة ثمينة، إلا أن الهوس به كان سيحيل واقع المرء جحيمًا مريرًا.
لذا كانت البحيرة تذكرهم بأن السعي وراء وهم بعيد، وراء المجهول في الأفق، قد يؤدي إلى أخطاء مؤلمة، ستسبب ندمًا وجروحًا لن تُنسى.
***النهاية***
.........
هذه القصة اهداء الى توأمي الروحي العزيزة سونا❤️🤝
ما بتذكر السبب بس في اسباب كتيرة متل نجاحك؟
ما كنج معرفتك؟
على كل بتمنى كون حققت أمنيتك وعجبتك القصة 😊
......................
✨تنويه✨
الكحول وان بدت مبهرجة بالمسلسلات والروايات فهي ليست كذلك وليست رائعة الله كرم بني آدم بالعقل والقرآن نزل يخاطب قوم يعقلون
الخمر والميسر رجس من عمل الشيطان
فلا تشتهوه ولا تشربو الحد الي بفضلك عن الحيوانات هو العقل ماحلو تتساوو
تعليقات
إرسال تعليق