مهرجان

  


بخطوات متثاقلة، وسط حشود عظيمة، كان يسير وعيناه تتجولان في المكان، تتفحصان كل زاوية فيه.

لم يكن يعلم حتى ما هي هذه المدينة، لكن الشعور بالحرية كان يشدّه إلى الأمام.

هذا هو يوم راحته الأول منذ سنوات، لذا قرر السير بلا تفكير، وأن يدع قدميه تأخذانه حيث تشاء.

في العادة، كان سيختار أحد الحانات في مدينة شينشي، ليشرب الكحول ويغمر نفسه في الضجيج.

لكن ذلك اليوم كان مختلفًا، إذ شعر برغبة غريبة في الذهاب إلى مكان أبعد.

"هيونغ، عندما ينتهي كل شيء، ما رأيك أن نذهب برحلة حول العالم؟"

تلك الكلمات، التي كانت تخرج من فم صديقه الراحل، ترددت في ذهنه كصدى بعيد.

"هذه ليست فكرة سيئة"

كان قد أجاب في ذلك الحين، غير مدرك أن تلك اللحظة ستظل عالقة في ذاكرته.

كان يعلم أن هذه الذكرى ليست سوى لمحة من الماضي، أن الموتى لا يعودون، لكن ربما كان ذلك مجرد محاولة لإرضاء الذات، أو مواساة عديمة الفائدة، عزاء لروحه المنكسرة.

أحاطت به أضواء المدينة الملونة، تتلألأ كالجواهر في الظلام.

كان يتأمل المكان بعينيه الوردتين، حيث كانت الشوارع مزينة بأكاليل الزهور والأشرطة اللامعة.

انبعثت من الأرجاء روائح الأطعمة الشهية، وتداخلت مع الموسيقى الحماسية التي ملأت الأجواء، وخلقت جوًا من الفرح والاحتفال.

جاءت جموع الناس من كل حدب وصوب، كل واحد منهم يحمل شيئًا مميزًا، كأن لكل منهم قصة خاصة به.

بعضهم كان يرتدي أزياء ملونة، تتراقص مع أنفاس الرياح، بينما كانت الابتسامات تعلو الوجوه، تنبض بالحياة وكأنها تُشعل الأجواء من حولهم.

لكن وسط تلك الأجواء المفعمة بالبهجة كان قلبه يئن تحت وطأة الذكريات.

تزايدت الضغوط في صدره، لكنه تابع السير، محاولاً تناسي كل ما جال بباله.

لم يكن يعرف سبب وجوده هنا، ولا الذي يجذبه إلى هذا الاحتفال الغريب، وكأن أقداره تقوده نحو وجهة غير معلومة.

وأثناء شروده، لمح متجرًا للهدايا والألعاب، كان الأمر طفوليًا لدرجة أنه لم يكن ليعيره اهتمامًا في صباه.

في تلك الأيام، كان يتسكع في الحانات والمطاعم الشهية.

"تشه ساهيونغ البخيل ذاك"

تمتم في نفسه وهو يلوم أخاه، على الرغم من أنه لم يكن له علاقة بذلك إلا أن هذا لم يمنع تشيونغ ميونغ من إلقاء اللوم عليه.

اقترب من المتجر، وراح يحدق بجوائزه المعروضة، وتدور في رأسه أفكار من الماضي.

لكن ما لفت انتباهه من بينها كان شيئًا واحدًا.

"ها، يا له من غباء"

صاحب المتجر، الذي لاحظ وجوده، رحب به بحرارة

"أهلاً بك، عزيزي الزبون! إذا أردت اللعب، سيكلفك هذا عملة واحدة، لديك ثلاث فرص، وأيًا كان ما تصيبه فهو ملك لك!"

أومأ برأسه مشيرًا لموافقته، لكن في الداخل، كان يشعر بشيء من السخرية.

في العادة، كان ليتشاجر معه على هذا السعر، لكنه لم يجد في نفسه رغبة لذلك في هذا اليوم.

كان هناك شيء في الأجواء، شيء يدعوه للاسترخاء، للتخلي عن همومه ولو لبرهة.

أمسك القوس بيديه، وراح يتفحص الجوائز المعروضة أمامه.

كانت الألوان اللامعة تلمع تحت الأضواء، لكن سرعان ما أدرك غش التاجر الذي كان جليًا.

كانت الجوائز مصممة بطريقة تجعل من المستحيل تقريبًا إصابتها على أي شخص عادي.

لكنه مختلف بكل تأكيد.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، كأن فكرة جهنمية تدور في ذهنه.

أمسك بسهم، وتأكد من تثبيته بإحكام، ثم أخذ لحظة للتفكير.

بخطوات ثابتة، وجه القوس نحو الهدف، بتركيز شديد.

انطلق السهم بسرعة شديدة، قاطعًا الهواء كأنه سيف حاد، يقطع كل ما يعترض طريقه.

في لحظة واحدة، أصاب أحد البراغي بدقة مدهشة، مما أدى إلى انهيار المنصة بشكل مفاجئ.

تساقطت الجوائز، تتدحرج في الهواء كالأوراق المتساقطة في فصل الخريف، تتلألأ بألوانها الزاهية قبل أن تصطدم بالأرض.

عندما تهاوت الجوائز، شعر بانتعاش غريب، كأن كل أحزانه قد تلاشت للحظة.

كانت الأنظار متجهة نحوه بإعجاب شديد، والفضول يتأجج في عيون المتجمعين حوله.

بينما كان يقترب من الجوائز المتناثرة، كان التاجر المتوتر يتعرق بغزارة، ملامح الخسارة واضحة على وجهه.

حاول أن يتحدث، أن يثنيه عن أخذ الجوائز، لكن الرجل لم يأبه به، كأنه كان في عالمه الخاص.

اقترب من الجائزة التي أرادها، وابتسم للتاجر بنظرة مليئة بالثقة.

"سآخذ هذه فقط."

"ها؟"

اتسعت عينا التاجر بدهشة، ثم سرعان ما تحولت تعابيره إلى سعادة، وراح يومئ برأسه بقوة.

وبينما كان الرجل على وشك الرحيل، لمح شيئًا بعيداً بطرف عينه، دفعه للعودة مرة أخرى.

انخفض ببطء، والتقط إحدى الدمى المترامية على الأرض.

خرج من المتجر وهو يحمل الجائزة، وراح يبحث من حوله، حتى وجد ضالته.

قرب شجرة كبيرة، كانت هناك طفلة صغيرة، دموعها تتساقط من وجنتيها، اللتين باتتا حمراوين من أثر البكاء.

لكن دموعها توقفت فجأة عند لمح الدب الوردي اللطيف الذي يتحرك أمام عينيها.

رفعت الطفلة بصرها، وعندما رأت الرجل يقدم الدب لها، سرعان ما تبدلت تعابير وجهها، وابتسمت ابتسامة مشرقة كأنها شمس تشرق بعد عاصفة.

لكن فرحتها لم تدم طويلًا.

لم تمض لحظات حتى راحت تبكي مرة أخرى، مما جعله يرتبك عند رؤية دموعها تتجمع في عينيها الصغيرتين، ومن ثم التفت مغادراً المكان تاركاً إياها لتبكي بحرارة.

...............

بعد لحظات، وبينما كانت الطفلة جالسة بحزن، سمع صوتها الحزين يتردد في الأجواء.

"ها، ألم تنتهي من البكاء بعد؟"

رفعت الطفلة رأسها نحوه، وكانت على وشك الصراخ.

لكن الرجل سارع بوضع قطعة من الحلوى في فمها، وكأنما أراد أن يمحو كل أحزانها بلذة بسيطة.

ويبدو أن خطته نجحت فقد ابتسمت الصغيرة من جديد، وراحت تلتهما بسعادة، محتضنة الدب الذي منحه إياها سابقًا.

كان وجهها يتلألأ بالفرح، وكأن ابتسامتها قد أضاءت المكان من حولها.

وبينما كانت على هذه الحال، كان الرجل يعبث بشعره بانزعاج، يحدق بها وكأن شيئًا ما يثقل قلبه.

أراد الرحيل، لكن فكرة تركها بمفردها في هذا المكان الغريب أثارت في داخله شعورًا بالقلق.

كان عليها أن تكون مع والديها، وهذا دفعه لمحاولة أن يبدأ محادثة معها، لعله يعلم مكانهما.

"إذاً، أين والديك يا صغيرة؟"

سأل بصوت خافت، لترد عليه الطفلة والعبوس باد على وجهها.

"أنا لست صغيرة، أنا يونا. وأنت أيها الجد."

"ها؟ جد؟ أنا؟ ألا يمكنك رؤية وجهي الشاب؟"

قال بوجه ممتعض تعبيراً عن انزعاجه.

"لكنك أكبر من يونا، لذا فأنت جد."

عادت لتؤكد بصوت واثق، عينيها تلمعان ببراءة.

"لا، لا، اسمعي يا صغيرة..."

ولكن بعد لحظات، توقف الرجل عن الكلام.

فقد كانت كلماتها صحيحة، على الرغم من أن جسده كان شابًا، إلا أن عمره الحقيقي كان يعكس شيئًا مختلفًا.

كان في جسد شاب، لكنه في الواقع كان يبلغ من العمر 86 عامًا، لا بل كانت 186 عام.

بدأ يتنهد وهو ينظر إلى الطفلة الصغيرة التي كانت تجلس أمامه، تأكل الحلوى بلا مبالاة.

عبس في وجهها وسأل بجدية

"ألم يعلمك والداك ألا تأخذي شيئًا من الغرباء؟"

"لكن الجد لطيف"

أجابت يونا ببراءة، وعينيها اللامعتين تلمعان كنجوم في متلألأة.

"هاه؟"

نظر إليها بدهشة. لطيف؟ لم يكن بالتأكيد وصفًا ينطبق عليه.

وبينما كان غارقًا في أفكاره، تفاجأ بالطفلة تقرب دمية الدب من وجهه.

كانت الطفلة تقف على أصابع قدميها، محاولة الوصول إليه، مما جعله ينحني قليلًا ليكون في مستواها.

أمال رأسه، غير قادر على فهم تصرفها، لكن ابتسامة مشرقة ارتسمت على وجهها.

"إنه يشبهك"

قالت بحماس.

"ها؟ كيف لهذا الشيء أن يشبهني؟"

سأل وهو يشعر بالمفاجأة.

أدارت الطفلة الدب بحماس، وراحت تحدق به بتمعن، ثم ابتسمت مرة أخرى، وضعت يديها عند حاجبيها، وبدأت تعبث بهما لتشكل وجها غاضبا ومنزعجاً.

"لديكما التعبير نفسه."

نظر الرجل نحو الدب، الذي بدا مقطب الحاجبين مستاء، وكأنما يعكس مشاعر سلبية لا تنتهي.

مما دفعه للتساؤل في نفسه لماذا تحمل دمية الأطفال مثل هذه التعابير؟ كيف يمكن لشيء مصمم للفرح أن يظهر الحزن؟

ومن ثم تابعت الطفلة الحديث، عينيها تتألقان ببراءة لا حدود لها.

"لكنه جعلني سعيدة، فرغم أنه يبدو هكذا، إلا أنه دافئ."

عانقت الطفلة الدب بقوة، وكأنها تستمد منه الأمان والحنان الذي تبحث عنه.

كان الدب، الذي كان يحمل تعبيرًا منزعجًا، يبدو كأنه قد استجاب لاحتضانها، كأنما استشعر تلك المشاعر الطفولية النقية.

............

كان الرجل يسير مع الطفلة الصغيرة في المدينة الصاخبة، حيث كانت الأصوات تتداخل كأنها نغمات موسيقية عشوائية.

راح يمسك بيدها بحذر، خشية أن تضيع في زحمة الناس.

وبينما كانا يتقدمان، اصطدمت الطفلة بأحد المارة، مما جعل تشيونغ ميونغ يعبس وجهه بتعبير متذمر.

"آه، ياللإزعاج!"

تمتم في نفسه، لكن سرعان ما تلاشت مشاعره السلبية عندما قرر رفعها على كتفيه.

استقرّت يونا فوق كتفيه، فانطلقت ضحكاتها كأنها ألحان مليئة بالسعادة

. "وااه! ، أستطيع رؤية كل شيء من هنا!"

كانت عيناها تشعان بفرحة لا توصف، وكأنها تكتشف عالماً جديدًا من الأعلى.

"إذاً، هل يمكنك رؤية والديك؟"

سألها، بينما كان ينظر حوله بحثًا عن أي علامة قد تدل على وجودهما.

"أمي لم تأتِ بعد"

أجابت يونا بصوت برّيء يخفي بعض الحزن، مما أثار انتباه تشيونغ ميونغ.

"ألا تعلم ذلك، أيها الجد؟"

نظرت إليه بعينين مليئتين بالفضول.

"أعلم ماذا؟"

سأل، محاولًا فهم معاني حديثها.

"أبي قال إنه في منتصف الليل أستطيع رؤية أمي"

أكملت بحماس.

"لماذا في منتصف الليل؟"

تساءل بعدم اكتراث، لتجيب عليه ببراءة.

"لأنه الوقت الذي تأتي فيه الأرواح للزيارة"

"أرواح؟"

كرر السؤال، وكأن الكلمة قد أثيرت في ذاكرته.

"أجل، قال أبي إن هذا المهرجان للترحيب بالأرواح وتوديعها"

أوضحت، وكأن كلماتها تحمل ثقلًا من المعاني.

عند كلماتها تلك، شعر تشيونغ ميونغ بانقباض غريب في صدره.

بدأت دقات قلبه تتسارع، كما لو كان على موعد مع لقاء منتظر، كأنما تلك الكلمات قد حفرت في أعماق روحه.

وفجأة، سمع صوتًا يناديه

"انتظر، انتظر أيها الرجل!"

التفت نحو مصدر الصوت ليجد صاحب المتجر السابق يقف أمامه، ممسكًا بفانوس.

كان الفانوس شبيهًا بزهرة البرقوق.

تبسم التاجر بحرج وهو يمسح مؤخرة رأسه، قبل أن يقدم الفانوس للرجل.

" لما تمنحني هذا؟"

سأل تشيونغ ميونغ، متفاجئًا.

"هذا... أردت أن أشكرك. بفضلك، تدفق الزبائن لمتجري، ولأنك لم تأخذ كل الهدايا، كان باستطاعتي بيع الكثير من الأشياء. سأستطيع إحضار شيء لذيذ لعائلتي الليلة."

على الرغم من الكلمات الدافئة للرجل، إلا أن السعادة لم تتخلل الرجل، الذي راح يحدق به بصمت، مما دفع التاجر للارتباك.

"هذا... الفانوس... لا أعلم إن كنت تحتاجه، لكن جميع من في هذه المدينة يؤمن بذلك."

"يؤمن بماذا؟"

استفسر تشيونغ ميونغ، وقد بدأ الفضول يتسلل إلى قلبه.

"في الليلة التي تأتي فيها الأرواح، لا بد من إشعال فانوس لإنارة طريقها. لذا، كل من لديه شخص عزيز يشعله في هذه الليلة."

"أنا لا..."

بدأ يجيب، لكن قبل أن يكمل كلماته، كان الرجل قد سار مبتعدًا وهو يلوح له بيديه، تاركًا إياه أمام الفانوس الغريب الذي يحمل في طياته معاني أعمق مما يبدو.

نظر تشيونغ ميونغ إلى الفانوس، وقد بدأ يشعر بثقل الكلمات التي سمعها.

راح عقله وعقله يسبح في أفكار متناقضة.

رغم معرفته باستحالة ذلك، إلا أن الشوق دفعه للتفكير في الأمر للحظات.

ماذا لو؟ ماذا لو أمكنه رؤيتهم مرة أخرى؟

كانت يداه ترتعشان، وعض على شفتيه في محاولة لطرد تلك الأفكار المزعجة.

لكن كلما حاول الابتعاد عن تلك الأفكار، أتت إليه كظلال تلاحقه.

وفجأة بينما كان منغمساََ بأفكاره تلك، انطلقت يونا نحو الأمام، مائلة برأسها لتكون مقابلة لوجهه.

"اااه!"

صرخ تشيونغ ميونغ، ورفعها بسرعة ليضعها على الأرض، كأنما يحاول حماية شيء ثمين.

"ما الذي تفعلينه؟ ماذا لو سقطتِ؟ لماذا تميلين جسدك هكذا؟"

سأل بتوتر، وقد ارتسمت على وجهه ملامح القلق.

لكن على الرغم من توبيخه، لم تبدُ الطفلة مهتمة.

كانت تحدق به بتمعن شديد، وعينيها تتألقان بفضول عجيب، مما جعله يشعر بالتوتر.

تراجع خطوة إلى الوراء، وكأنه يحاول الهروب من تلك النظرة المربكة.

"م... ماذا؟"

همس، وقد بدت كلماته وكأنها تتلاشى في هواء المدينة المزدحم.

فجأة، بدأت يونا تنظر حولها بشغف، ثم انطلقت في ركض سريع كالفراشة التي تلهو بين الأزهار.

تفاجأ تشيونغ ميونغ، لكنه سرعان ما بدأ يتبعها، مناديًا

"توقفي، ستضيعين هكذا!"

لم تبدُ الطفلة مهتمة بكلماته، مما جعل القلق يتسلل إلى قلبه.

"ااااه، لهذا الأطفال مزعجون!"

تمتم في نفسه، وهو يشعر بأن قلبه يترنح بين القلق والفضول.

في الواقع، كان بإمكانه اللحاق بها بسهولة، لكنه قرر أن يتركها تركض بحرية، مُستسلمًا لشغفه بمعرفة وجهتها.

بعد مطاردة قصيرة، توقفت يونا فوق تلة صغيرة، وراحت تشير بيديها نحو شجرة كبيرة، تنبض بالحياة في قلب المكان.

كانت الشجرة ذات جذع عريض وأغصان متفرعة، محملة بأزهار البرقوق الوردية التي تتراقص في الهواء.

رفع بصره نحو الشجرة، يتأمل جمالها، وعندما نظر إليه، صرخت الطفلة بحماسة

"عينا الجد تشبهان هذه!"

"هاه؟"

سأل مستغربًا، وعينيه تتسعان بفضول.

"إنها وردية كأزهار البرقوق، زاهية وجميلة!"

أجابت، ووجهها يضيء بابتسامة عريضة، كأنها تمسك بكنز من السعادة.

في تلك اللحظة، هبت رياح خفيفة، جعلت خصلات شعره السوداء تتطاير في الهواء، كأنها تعانق النسيم.

بينما كان يتأمل بتلات البرقوق التي تراقصت مع أنغام المهرجان، كانت تتلألأ تحت ضوء القمر الفضي، وتحلق نحو النجوم في السماء، وكأنها تحمل معها أمنيات غير محققة.

كان منظرها بديعًا، وعلى الرغم أنه كان مألوفاََ، لكنه كان فاتنًا بطريقة جعلته يقع أسيرًا لسحره.

وفي تلك اللحظة رن صوت في أذنيه أيقظه من ذهوله.

"يوناا!"

تردد صدى الصوت في أرجاء المدينة

صرخ تشيونغ ميونغ، صدى صوته يتردد في أرجاء المدينة.

"يونااا، أين أنت؟"

أضاف الأب، ومشاعر القلق تتسلل إلى قلبه.

حينها التفت تشيونغ ميونغ ليجد الطفلة تركض بعيدًا، ووالدها يقف في مكان بعيد بانتظارها.

"وداعًا أيها الجد اللطيف!"

نادت يونا ببراءة، تاركة أثرًا من السعادة في قلبه.

لكنه تفاجأ عندما عادت بسرعة، تنطلق نحوها كطائر صغير.

"ما الأمر؟"

سأل، محاولًا فهم سبب عودتها المفاجئة.

"نسيت سؤالك!"

قالت، عينيها تتألقان بحماس.

"... ماذا؟"

استفسر، مدهوشاََ.

"ما اسمك أيها الجد؟"

سألت، ونبرة صوتها اللطيفة جعلت ابتسامة ناعمة ترتسم على شفتيه.

"تشيونغ ميونغ، هذا هو اسمي"

توسعت عينا الطفلة بحماس، وحركت إصبعها باتجاهه، ثم أعادته نحوها، مما جعله يميل برأسه غير مدرك لسبب تصرفها هذا.

"يونا.. تشيونغ ميونغ.. إنهما متناسبان!"

(تشيونغي معنى اسمو اشراق ويونا الفجر لهيك متناسبين)

قالت بفرح، وكأنها اكتشفت شيئًا عظيمًا.

"هاهاهاها! أنت محقة، إنهما متناسبان!"

ردّ مبتسمًا، مما جعل قلبه يفيض بالسعادة.

ثم ابتعدت مرة أخرى، وهي تودعه، ولكن هذه المرة لم تعد.

ظل تشيونغ ميونغ يحدق في المكان لبعض الوقت، بينما كان طيفها يتلاشى ببطء.

...........

ألقى تشيونغ ميونغ بجسده على جذع الشجرة، وراح يشرب من زجاجة الكحول، بينما كان يتأمل أضواء المهرجان البعيدة.

كان وحيدًا على قمة تلك التلة، برفقة القمر الذي ألقى ضوءًا فضيًا على وجهه.

بينما كان جالسًا هكذا، اتسعت عيناه بفزع. بدأت أنفاسه تتسارع، وقلبه يضطرب كأنه يسعى للهروب من صدره.

ارتعش جسده بشدة، ووخزات غريبة من البرودة مرت بعموده الفقري.

"لا... لا، هذا... لا يمكن!"

همس لنفسه، مد يده بتردد، خائفًا أن يتلاشى ما أمامه في اللحظة التي يلامس فيها يديه، لكن التوق كان أقوى من كل شيء.

خرج صوته متقطعًا، يختلط مع أنفاسه

"ساهيونغ... جين آه... بو..."

أمام عينيه، ظهر طيف من أحبهم، من كانوا في قلبه دومًا، أولئك الذين لم يمضِ يوم دون أن يشتاق إليهم.

شعور الفقد كان يطغى عليه، وأخيرًا لم يتمالك نفسه، فأطلق مكنون صدره، تاركًا المجال لروحه الجريحة لتتدفق الدموع من عينيه كسيل جارف.

"ها؟ تشيونغ ميونغ، لما تبكي؟"

سمع صوت تشيونغ مون، الذي اقترب منه مذعورًا عند رؤية دموعه.

فلم يكن من المألوف أن يبكي تشيونغ ميونغ أبدًا.

لذا مد تشيونغ مون يده ليضمه، لكنه تفاجأ.

" لا أستطيع عناقك... آسف."

كانت يداه لم تتشكلا بعد، جسده ضبابيًا وغير مريح، مما دفعه الآخر للبكاء، وقلبه يتألم على حال أخيه الصغير.

وحينها كان تشيونغ جين مرتبكًا، ينظر إليه بعيون مليئة بالقلق.

"لا ساهيونغ، لما أنت حزين هكذا؟"

بدأ يبحث في جيبه عن أي شيء يمكن أن يخفف عنه، حتى عثر على قطعة من الحلوى، كانت تلك هي المفضلة لتشيونغ ميونغ.

"حلوى! ساهيونغ، إنها الحلوى المفضلة لديك..."

قال ببراءة، لكن بعد لحظات، أدرك أنها قد فسدت، وقد مر عليها مئة عام.

وفي تلك الأثناء كان تانغ بو يمسك به ويجذبه، كان يبكي، وكأن قلبه ينفطر لرؤية حال أخيه.

"هااا، أنت هنا أيضًا هيونغ؟ هل أتيت مبكرًا؟ ما الذي حدث لك؟. 

وهكذا مرت لحظات بينما كان الأربعة يبكون كأطفال صغار، لكن تشيونغ ميونغ أول من استعاد هدوءه.

راح يتمعن فيهم بنظرات مريرة.

لم يعلم أكانت هذه اللحظة هي هلوسته المعتادة، أم أن أرواحهم تزور المكان.

لكن أياََ من هذا لم يكن مهماََ حقاََ، فقد كانوا أمام عينيه، أراد نداءهم مرة أخرى.

كان سماع أصواتهم كفيلاََ برد الروح لفؤاده الميت.

"ساهيونغ..."

بدأ بمناداة أسمائهم واحداََ تلو الآخر

"جين آه..."

خرج الصوت من شفتيه خافتًا مبحوحًا.

"بو..."

كانت كلماته متقطعة وغير مفهومة، لكنه استمر بندائهم.

قد سئم من تلك المرات التي لم يجد ندائه أي جواب.

"أجل تشيونغ ميونغ"

لذا كان هذا الصوت أشبه بلحن الحياة يعزف في جسده، جعل قلبه ينبض بقوة.

ورغم أن في جوفه آلاف الكلمات إلا أنه في تلك اللحظة وجد عقله فارغًا.

كان قد تخيل هذه اللحظات مئات بل آلاف المرات، والآن وقد وقف أمامهم كل ما أمكنه كان البكاء كطفل صغير.

"أسف، أنا آسف."

"لو أنني كنت أقوى..."

"لو أنني استمعت إلى ساهيونغ جيدًا..."

بدأ يهمس بكلمات الاعتذار، الكلمات التي لم يستطع النطق بها قبل الآن.

كان الندم وألم الفرقان يقطعان أوصاله، وروحه تصرخ في كل ليلة لعلها تجد النجاة.

في عينيه كان مذنباََ، كان روحاََ يفترض بها الهلاك.

لذا الآن وهم أمام عينيه أراد الاعتذار، لعله يجد الخلاص، لعل عذابه الأبدي هذا ينتهي.

لكن وكما لو كان الكون يرفض أن يمنحه الراحة التي تمناها، بدأت أجسادهم بالتلاشي.

اتسعد عيناه بذعر وهو يشاهد هذا المشهد.

"لا! لا تذهبوا!"

راح يصرخ بكل ما أوتي من قوة لكن بلا فائدة.

أمام عينيه، وككل مرة، كما تتلاشى الأحلام في ضوء الفجر تاركة خلفها أثراََ من الألم والحنين، كانوا يتلاشون أمام عينيه.

"لا... لا..."

صرخ من جديد، وصدى صوته يتردد في الفضاء الفارغ.

"لا ترحلوا... لا!"

راح الثلاثة يبتسمون وهم يلقون عليه نظرة الوداع، وبدأ كل منهم يتلو كلماته الأخيرة.

"تشيونغ ميونغ، لقد أحسنت عملًا."

قال تشيونغ مون، بينما كانت عيناه تتلألأ بالحب والقلق على أخيه.

ورغم أنها الكلمات التي كان يتوق إليها تشيونغ ميونغ، إلا أن سماعها الآن لم يكن إلا كسكين تتلوى بمعدته، لذا خرج الصوت من فمه بصعوبة وكأن الكلمات تتصارع داخله

"لا، لا! أنا لم أفعل شيئًا، أنا تسببت بالمشاكل لساهيونغ. لو أنني..."

"ساهيونغ، شكرًا لإيجادك إياي."

قال جين آه بلطف، وكأنما يعيد إليه شعور الأمان.

لكن تشيونغ ميونغ الذي تذكر الكهف البارد الذي آوى أخاه ارتعش جسده وراح يصرخ رافضا ذلكََ.

"لا، لقد تأخرت.... استغرقني الأمر مئة عام."

"....."

"تركت في ذلك المكان وحيدًا، أنا...أنا لا أستحق ذلك."

كان الألم يتسلل إلى كلمات تشيونغ ميونغ، وكأن كل كلمة تحمل ثقل الزمن.

"هيونغ، شكرًا لإيفائك بعهدنا."

قال بو، وابتسامته كانت تحمل في طياتها الفرح والفراق.

"لا... لا... رجاءً!"

كانت نبرته يائسة، لكن رغم ندائه، تلاشى الثلاثة من المكان كخيال ووهم جميل، تاركينه وحده في تلك اللحظة القاسية.

تشعر تشيونغ ميونغ بأن روحه تمزقت بهذا اللقاء. لم يستطع أن يضمهم أو أن يعتذر بشكل لائق حتى.

وكأن كلمات الاعتذار قد سُلبت منه، فتركته وحيدًا في المكان، يخبط الأرض بيده وصراخه يتصاعد في الفضاء.

"اااااااااااااااااااااااااا!"

كانت صرخة تعبر عن كل الألم والحسرة، وكأن كل جسده يصارع في تلك اللحظة.

وبينما هو على هذه الحال، لمح شيئًا يتدحرج بالقرب منه.

التفت ليجد الجائزة التي نالها سابقا.. .

كانت يده ترتعش وهو يمدها باتجاهها، كأنما يستعيد شيئًا من ماضيه.

فتح العلبة بصعوبة بتلك الأيدي المرتجفة، وأخرج منها رباط شعر أخضر.

مد الرباط إلى صدره وراح يعانقه بشغف، كان هذا هو ماتبقى له من ذكرى صديقه الوحيد والأوحد.

تلك الليلة سمع أهل المدينة صراخاََ يتعالى حتى انتشرت الشائعات.

"بعض الأرواح التي زارت المدينة في تلك الليلة ضلت طريقها، لتضيع إلى الأبد."

ورغم أن الفانوس حلق عاليا في المكان، وأرشد أرواحهم، إلا أن روح تشيونغ ميونغ هي التي ظلت أسيرة هذا القيد.

..............................................


✨تنويه✨


هذا المهرجان من المعتقدات الكفرية فحتى لو قرأتوها أتمنى ان تنكروها بقلبكم وترفضوها

تعليقات