همسات الماضي


 

على السرير القديم في العلية المظلمة، استلقى الرجل العجوز، وجسده المتهالك أصبح أشبه بهيكل عظمي، عظامه تئن تحت وطأة السنوات المديدة.

عزلته في تلك الغرفة، التي كانت تحمل رائحة الغبار والذكريات، جعلت منه شاهداً على عالم مضى، عالم حاول فيه التكفير عن خطأه الذي لم يفارق روحه.

تأمل في زوايا المكان، حيث كانت الشمس تتسلل من خلال الشقوق الضيقة في الجدران، ترسم خطوطاً من الضوء على السقف المتآكل.

كان العجوز يسير في رحلة عبر الزمن، عينيه مثبتتين على الظهر الذي بدأ يتلاشى أمامه، ظهر تشيونغ ميونغ.

لكن ما رأته عينه لم يكن ذلك الشخص القوي الذي عرفه، بل كان شاباً بجسد أصغر بكثير، أكثر وسامة.

ومع ذلك، كان هناك شيء واحد لم يتغير، وهو ذلك الظهر القوي كقمة جبل شامخ، وكأنه يحمل أثقال العالم على كتفيه.

كان الشاب يمشي بخطوات مترددة، وعيناه تعكسان مزيجاً من الأمل والخوف.

كل خطوة كانت كأنها تثير غبار الذكريات في تلك العلية المغلقة، تأمل العجوز الظهر المنحني قليلاً، كأنه يئن تحت وطأة أحلام لم تتحقق، وسمع في نفسه همسات الماضي تتردد.

تداخلت صورته مع صورة قديس السيف، حيث عادت به الذكريات إلى ذلك اليوم قبل مئة عام.



.........................

"ما الذي تعنيه بأنكم لن تفعلوا شيئاً؟"

ارتفع صوت الفلك العجوز في أرجاء المكان، كعاصفة رعدية تتردد صداها في الجبال.

كانت ملامح وجهه مشدودة، وعيناه تتقدان بالغيظ الذي استولى على قلبه، كأن ناراً مشتعلة تحت رماد من التضحيات.

"اهدأ، أيها الفلك!"

أجاب أحدهم، محاولاً تهدئة الموقف

"متى قلنا أننا لن نفعل شيئاً؟ لقد أخبرناك أنه يجب أن يبقى أحد في الخلف لحماية السهول الوسطى. ماذا لو لم يتمكنوا من قتله؟"

كانت نبرة الصوت هادئة، لكن في أعماقه كان هناك قلق واضح، كأنما تتراقص أفكار الخوف حوله.

تفاقم الغضب في قلب الفلك العجوز، ولم يكن ذلك الغضب موجهاً إليهم فقط، بل كان أيضاً من نفسه، من شعوره بالعجز.

"إذاً، ماذا عن أولئك الذين صعدوا الجبل؟ لماذا لم تخبرهم بذلك منذ البداية؟ لماذا وعدتهم بأنكم ستقاتلون سوياً؟"

كانت كلماته تحمل ثقل السنين، وكأن كل واحدة منها تجر معها آلام الفراق والخيانة.

بينما كان بانجانغ يستمع، بدا هادئاً كجبل ثابت، ولكن في عينيه كان هناك قناعة عميقة بأنه يسير في الطريق الصحيح.

كان ينظر إلى الحاضرين، محاولاً أن يقرأ تعبيراتهم، لكنه رأى وجوههم لا تختلف عن وجهه، مما زاد من إحباط الفلك العجوز.

في تلك اللحظة، كاد أن يصرخ من شدة الغضب، لكن تدخل زعيم وودانغ أوقفه.

"لماذا تتصرف وكأنك لم تكن تعلم؟"

قال زعيم وودانغ بصوت حاد، كأنه يقطع الهواء من حولهم بسيف من الفولاذ.

"لا تحاول أن تبدو بصورة أفضل منا. إذا كان الأمر يزعجك لتلك الدرجة، فلماذا لا تذهب؟"

كانت كلماته تتلألأ في ضوء الشمس، وتمزق أي آمال للنقاش الهادئ كأنها رصاصات تطلق في لحظة صمت قاتل.

تسللت تلك الكلمات إلى صدر العجوز كخنجر مسموم، واستقرت في أعماق قلبه.

كان يعلم في مكان ما من روحه، أنه في هذا المكان، الجميع كان يدفع بجبل هوا نحو الهاوية.

لكنه، رغم مشاعر القلق التي كانت تعتصر قلبه، لم يكن قادرًا على فعل شيء.

إذا انتصر الشيطان السماوي، ستكون تلك نهاية السهول الوسطى، وسيشهد التاريخ تضحيات قاسية لم تُحقق الهدف المنشود.

لقد دفع بالأيتام الصغار نحو ساحة المعركة، حيث لا مكان للرحمة، مُسلمًا إياهم سكاكين الانتقام، باستغلاله رغبتهم العارمة في الثأر.

كان يظن أن تلك التضحيات كانت لأجل إنقاذ العالم، لأجل النجاة من الظلام.

لكن أمام هذا النفاق المقزز لزعماء الطوائف، شعر بالغثيان يتسلل إلى أعماقه، وكأن الأرض تحت قدميه بدأت تتزلزل.

في تلك الأثناء، بدأت معدته تتقلب، والنيران تتسرب في شرايينه كأنها جمرات مشتعلة.

نظر حوله، فرأى الوجوه الخالية من التعاطف، كأنهم يتآمرون في صمت.

كانت رائحة الأرض المبللة تخنق أنفاسه، وكأن المكان نفسه يئن تحت وطأة الخيانة.

ومع كل لحظة، كانت مشاعره تتأجج، حتى قرر أن يغادر المكان، عازماً على البحث عن طريق آخر، على محاولة فعل شيء.

خطى خطوات ثقيلة نحو الباب، وكأن كل خطوة كانت تتطلب منه شجاعةً إضافية، بينما كان صدى الكلمات القاسية ما زال يتردد في أذنه، يلاحقه كظل لا ينفك عنه.

...................

بدأ المتسول العجوز يصعد الجبل بخطوات مترددة ومتثاقلة، وكأن كل خطوة تعبر عن ثقل الذنب الذي يحمله على عاتقه.

كانت قدماه تغوصان في بركة من الدماء المتناثرة، التي كانت تلمع تحت أشعة الشمس كأنها تناديه، تذكره بماضيه المظلم.

الجبل الذي كان يوماً ما أخضر مورقاً، تحول الآن إلى مشهد مأساوي، حيث انقلبت طبيعة الحياة إلى بركة قرمزية تجسد الفوضى والدمار.

ورغم أنه حاول أن يغض بصره عن المشهد الرهيب، إلا أن عينيه لم تستطيعا الفرار من الحقيقة المروعة.

لذا أجبر نفسه على النظر، لتستر عيناه على وجوه المحاربين الذين سقطوا، وأوغاد الطوائف الشيطانية.

وبين تلك الجثث، كان يرى جثث الأطفال الذين دفع بهم إلى هذه الحرب بيديه، كأنهم ضحايا لمذبحة لم يكن لهم فيها ذنب.

ورغم أن العجوز شهد الحرب منذ بدايتها، إلا أن المظهر الشنيع للأشلاء المتناثرة تمكن منه، وجعل أمعاءه تتقلب كأنما تتوق إلى الخروج.

كان الندم والذنب يعصفان بقلبه كعاصفة، يضغطان على أنفاسه حتى كاد يشعر بأن روحه ستنفصل عن جسده.

شعر بدموعه تتجمع في عينيه، لكنه منع نفسه من البكاء، محاولاً استجماع شجاعته وسط هذا الخراب.

كانت الرياح تعصف حوله، تحمل معها رائحة الموت، وكأن الطبيعة نفسها كانت تبكي على ما جرى.

وكلما تقدم خطوة، كان الصوت الخافت للاحتضار يتردد في أذنه، يذكره بما فقده، وما دفعه من ثمن باهظ.

ثم، توقفت خطواته للحظة، واستقر نظره على جثة طفل صغير، وجهه لا يزال يحمل براءة لم تُمس، وكأن الزمن توقف عنده.

في تلك اللحظة، أدرك أن كل ما فعله كان مجرد وهم، وأنه كان جزءاً من لعبة أكبر من أن يتحكم فيها.

وأخيراً، بعد معاناة طويلة، استطاع العجوز الوصول إلى قمة الجبل.

حينها، فتح عينيه على مصراعيها، وكأنما يواجه مشهداً من الجحيم نفسه.

كانت السماء ملبدة بغيوم حمراء، كأن الدماء المتناثرة في المكان قد تساقطت كأمطار قاتمة، تغطي الأفق بكساء من الرعب.

كل حياة في هذا المكان تلاشت وتبخرت أمام صدى الموت الذي يصرخ في كل زاوية، وكأن صدى الأرواح التائهة يملأ الفضاء.

أمام عينيه، كان المحاربون الذين اعتادوا الموت والقتال، تتجلى على وجوههم تعابير الفزع والرهبة.

جحظت أعينهم، وكأنما تحكي هول ما رأته، وكأن كل نظرة تروي قصة مرعبة من الألم والمعاناة.

كانت أجسادهم ملقاة هنا وهناك، وكأنهم تمثال حجري فقد معناه في خضم الخراب.

كل شيء في المكان تحرك ببطء شديد، كما لو أن الزمن نفسه يأبى أن يفارق تلك اللحظة الكابوسية.

تسارعت أنفاسه، وكان قلبه يضرب بقوة، كأنه يوبخه ويلومه على ما أصابه من عجز.

كما ارتعش جسده، كما لو كان ورقة تتلاعب بها الرياح، لا تجد لها ملاذاً من العواصف المحيطة.

كانت المشاعر تتصارع بداخله كأمواج البحر المتلاطمة، كل منها تصفعه بقوة، وتسيطر على جسده.

الخوف كان يلتف حوله كعنكبوت قاتل، بينما الندم والذنب يضغطان على صدره حتى كاد يشعر بأنه سيفقد وعيه.

الألم والغثيان كانا يعتصران معدته، وكأنها تحتضن ذكرى كل الأرواح التي فقدها.

في تلك اللحظة، أدرك أنه لم يكن مجرد شاهد في هذه الحرب، بل كان جزءاً من هذا الجحيم الذي يحيط به، وحيداً في مواجهة قسوة لا تُحتمل.

فجأة، انتابت العجوز قشعريرة حادة، كأفعى غادرة تنزلق على عموده الفقري، تزلزل كيانه بقبضتها الباردة.

كانت تلك القشعريرة بمثابة نذير شؤم، تكتسح جسده وتجعل قلبه ينبض بسرعة.

اتجهت عيناه لوسط الجبل، حيث تكومت الأجساد بلا هوادة، في مشهد يُدمى له الأعين وتنفطر له القلوب.

أمام عينيه، كان جبل من الجثث، تكدس من أجساد المحاربين الذين لم يجدوا الراحة حتى بعد الموت.

كانت الأرواح قد رحلت، لكن أجسادهم مرمية كنفايات هامدة، تروي قصص معاركهم بلا كلمات.

منظرهم مأساوي، يبعث على الكآبة، وكأنهم ضحايا لم يغفر لهم التاريخ.

وفوق هذا الركام البشري، جلس كائن يختزل كل رذيلة وشر على هذه الأرض.

بدا جسده بشرياً لكن بشرته كانت شاحبة كالموت نفسه، عيناه الحمراء الباردتان لا تعكسان أي شرارة للحياة أو الإنسانية، بل تشعران بالفراغ والقسوة، وكأن الدماء قد سكبت في عينيه، لتجعلهما كجمرة متقدة.

انسدل شعره الأسود الطويل على كتفيه بشكل فوضوي، كستار يخفى خلفه عالماً من الظلام.

كان يحدق بلا مبالاة، رغم أن عشرات السيوف كانت تخترق جسده الأبيض الملطخ بالدماء، وكأنما كان يتحدى الموت نفسه.

لم تظهر على وجهه أي تعبير، بل كان كالتاج الحجري، ساكنًا وغائبًا عن واقع الحطام المحيط به.

في تلك اللحظة، شعر العجوز بأن صمت هذا الكائن يعكس كل الآلام والندوب التي خلفتها الحروب.

كان الجبروت والوحشية يتجليان في كل تفاصيله، بينما كان هو نفسه يمثل كل ما هو مظلم في هذا العالم.

ورغم البُعد الشاسع بينهما، إلا أن مجرد رؤية ذلك الكائن المرعب جعل العجوز ينهار على الأرض وسط نوبة من الذعر الشديد.

عرق بارد تصبب من جسده، ليلتصق ببشرته كخيط رقيق من الخوف المتفشي.

تعمقت تجاعيد جبينه واضطربت شفتاه، وكأن الكلمات قد انتفت واختنق الصوت في حنجرته.

ازداد العجز في كل أوصاله، ففشلت ذراعاه في التحرك وامتنعت قدماه عن الاستجابة، كأن الأرض قد ابتلعت كل قوتهما.

اختلطت مشاعر الذعر مع التساؤلات المتلاحقة:

كيف يمكن مواجهة هذا الكائن الرهيب؟

هل ثمة أمل في الانتصار عليه؟

دارت أفكاره كدوامة من العواصف المضطربة، تتجلى في عينيه لمحة من الاستسلام، وكأن الروح قد بدأت تفقد قوتها، بينما الصوت الداخلي يصرخ:

"اهرب!"

إلا أن جسده ظل مشلولاً.

وعندما التقت نظراته بتلك العيون الحمراء الجامدة، شعر ببرودة تسري في عروقه، كأنها لمسة من جحيم الموت ذاته.

في تلك اللحظة، أصبح كل شيء واضحًا؛ الكائن الذي أمامه تجسيد للشر المطلق، قوة قادرة على سلب الحياة في لمح البصر، تاركة إياه مع شعور لا يمحى من الهلع والضعف.

في جو من الرعب والخوف المتصاعد، وكأن الظلام قد انبثق من ذلك الكائن الرهيب ليلف المكان بأكمله، مما جعل الأجواء تتوتر وكأنها تئن تحت وطأة الشر.

وفجأة، رن في أذنيه صوت خطوات مزق سكون المكان، صوت يقترب ببطء، لكنه يحمل في طياته قوة لا تُضاهى.

كان قديس السيف، تشيونغ ميونغ، يتقدم نحو ذلك الكائن المرعب بخطوات متثاقلة، وكأن كل خطوة كانت تحمل ثقل الجراح التي أثقلت كاهله.

رغم أن جسده كان متهالكًا، وقد غطته الدماء حتى بات أشبه جبل من الثلج المتحول إلى أحمر قاتم، إلا أن عزيمته لم تلن.

كانت الدماء تتجمد على جلده، لكن في عينيه كان هناك بريق من الإرادة، نار تشتعل في عمق روحه.

في كل خطوة، كان يبرز التصميم الراسخ في حركات جسده المرهقة، وكأنما كان يجسد كل ما تبقى من الشجاعة في هذا العالم المدمر.

عندما اقترب أكثر، تلاشت الضوضاء من حوله، وتركزت الأضواء على وجهه، الذي كان معبرًا عن كل الألم والتحدي.

كان قلب العجوز يضرب بقوة، مشاهدًا قديس السيف يتقدم نحو مصيره، وكأن كل شيء في الكون قد توقف ليشهد هذه اللحظة الفارقة.

تلك اللحظات كانت تتلألأ كنجوم في سماء مظلمة، تحمل الأمل وسط اليأس.

فجأة، أحس العجوز أن كل الذعر الذي امتلأ به قلبه قد تبدد كنسمة لطيفة تمر عبر الغابة الكثيفة.

رغم المسافة التي تفصل بينهما، تمكّن من الشعور بالقوة والإصرار الذي يشع من هذا المحارب المُنهك.

أدرك أنه ليس وحده في مواجهة هذا الشر المطلق، فقديس السيف كان يقاتل، حتى وإن كان ذلك يعني استنزاف آخر رمق في جسده.

عندما نظر إلى ظهر تشيونغ ميونغ، القوي كالجبل، شعر بعودة الأمل والحماس إليه.

كانت تلك الصورة تجسد كل ما تبقى له من إيمان في عالم غارق في الظلام، ليتحول الذعر الذي كان يعصف بقلبه إلى عزم راسخ وثقة بانتصار قديس السيف.

ومع كل خطوة يخطوها تشيونغ ميونغ نحو المواجهة، كان العجوز يشعر بأن الأمل يزدهر في قلبه، كزهرة تنبت في أرض قاحلة.

لكن ما أثار القلق في نفس العجوز هو الذراع المقطوعة والسيف الغارز في كتفه، علامات واضحة على المعركة العنيفة التي خاضها هذا البطل المنهك.

لكن في ظلال تلك الآثار المرعبة، سيُحسم المصير بضربة سيف واحدة.

وفي تلك الأثناء كان تشيونغ ميونغ، مثقلًا بثقل الغضب والحزن على رحيل رفاقه وإخوته، يشعر بالاشمئزاز والاحتقار تجاه تشونما، الطوائف العشر وحتى...نفسه.

سحب سيفه من كتفه بقوة، غير مبالٍ بالدماء المتطايرة التي تلطخ وجهه وجسده، وكأنها كانت تعبيرًا عن كل ما فقده.

العجوز، الذي كان يشاهد المشهد من بعيد، رأى تشونما يتحدث بشيء ما، لكن الكلمات كانت غير واضحة، كأن الضجيج حوله قد طغى على صوته.

فجأة، انطلق صوت تشيونغ ميونغ الهادر في المكان كصرخة مدوية، صدى يعكس كل ألم القهر والغضب الذي تملّك قلبه.

"اخرس!"

كان لهذا الصوت عمق يتجاوز الكلمات، يحمل في طياته كل المعاناة التي تحملها، وكل الفقدان الذي أنهك روحه، كالصاعقة التي تضرب، تعصف بكل شيء في طريقها، وكأنها تؤذن بنهاية عهد من الظلم.

تلك الكلمات، رغم قسوتها، عكست شعورًا برغبة في التحرر، في إنهاء هذا الكابوس الذي طال أمده.

اندفع تشيونغ ميونغ نحو تشونما، والسيف في يديه ينبعث منه خيط وردي من الضوء، كأنه يتغذى على غضبه المتقد.

ومع كل خطوة يخطوها، كان الضوء يتوهج أكثر، يتحول شيئًا فشيئًا إلى بتلات وردية عطرة، تتراقص في الهواء كأنها تتحدى الموت.

كانت تلك البتلات تحمل في طياتها قوة لا تُوصَف، كفاحًا ضد كل ما هو شرير.

عندما اقترب أكثر، انطلقت هذه البتلات الوردية الراقصة نحو تشونما، كشفرات حادة تقطعه إلى أشلاء.

وفي لحظة حاسمة، تجسد مشهد يبعث على الرعب والجمال في آن واحد.

بينما كانت البتلات الوردية تتناثر في الهواء، ترسم خطوطًا من الضوء في ظلام ساحة المعركة، تاركةً خلفها أثرًا من الدماء والندوب، كأنها تعبر عن قصة حزن ومعاناة لا تُنسى.

وهكذا قطع قديس السيف رأس تشونما، وكانت الحركة سريعة كلمح البصر، كما لو كان الزمن قد توقف ليشهد هذه اللحظة الفارقة.

ومع سقوط الرأس، تردد صدى الصمت في الفضاء، وكأن العالم بأسره قد جمد في تلك اللحظة.

وأخيرًا، أنهى قديس السيف معركته الشنيعة، لكن الثمن كان باهظًا.

فقدت العديد من الأرواح، وكان النصر مراً، مليئاً بالندوب والذكريات المؤلمة.

كانت عيني تشيونغ ميونغ مليئتين بالدموع التي أبت النزول، لتستبدل بالدماء التي غطت وجهه، مما جعله يبدو كأنه تمثال من الصخر مغطى بالأحمر القاتم.

قديس السيف من ضحى بكل شيء لإنقاذ العالم من الشر الذي حاصره، لم يبق له من هذا العالم سوى آثار الآلام والفقد.

كان يقف وحيدًا، جسده المجروح يعاني من آثار المعركة الشرسة، وكأنما كانت تلك هي آخر مرة ينظر فيها إلى تلك القمة الشامخة.

في عينيه، لمع وميض الندم والألم، حيث كانت ذكريات من ضحوا بحياتهم في سبيل هذه المواجهة الحاسمة ماثلة أمامه، ذكرى حزينة لكل ما فقده في هذه المعركة.

كان المشهد كخريطة حياته المليئة بالتضحيات والفقدان، فقد ضحى بكل ما يملك من أجل إنقاذ العالم.

ولكن الآن، وهو على وشك الرحيل، لم يبق له سوى ندبات الجراح والخسارة، علامات على طريق طويل من المعاناة.

وفي لحظة الرحيل النهائية، ألقى قديس السيف نظرة أخيرة على الجبل الذي شرب من دماء رفاقه، ذلك الجبل الذي شهد معاركهم وكفاحهم.

كان وجهه منزويًا في ألم عميق، إدراكًا منه بأن هذه التضحية قد استنزفت كل طاقته وأمله.

ثم أطلق قديس السيف نفسه الأخير، وسقط على الأرض.

ليسقط، والروح تتلاشى من جسده الجريح، كأنما كانت تودع هذا العالم الذي لطالما قاتل من أجله.

ومع انطفاء الحياة في جسده، ذلك الظهر القوي كالجبل قد انهار أمام عيني العجوز، وكأنه قد غرس سكينًا في قلبه، جرحًا لن يندمل أبدًا.

.......................

مرت السنين وسط ذلك الركام والخراب، كانت كالرصاص على ذلك العجوز النادم المنكسر، محاصرًا في غرفة صغيرة تشبه قبرًا، يأوي فيه روحه الميتة.

فجسده استمر بالحياة، رغم تقدم الزمن به، لكن روحه ظلت عالقة في تلك اللحظات المؤلمة.

ارتسمت على وجهه تجاعيد عميقة كأن الزمن قد نقش قصته المؤلمة على جلده.

في ذلك المكان المغلق والمظلم، كان العجوز يكافح من أجل التكفير عن خطأه.

وفي اليوم الذي عاد فيه جبل هوا الميت إلى الحياة، واليوم الذي سطع فيه اسم تنين جبل هوا السامي، واليوم الذي انتشر فيه اسم السيف الشامخ لتشيونغ ميونغ كان اليوم الذي عادت له الروح لجسده.

وفي داخله، كان يصرخ بقوة:

"إنه قديس السيف!"

فلا أحد من شاهد تلك المعركة الشرسة يستطيع أن ينسى هذا البطل.

وعند رؤيته الآن واقفًا أمامه، تحررت كل المشاعر المقيدة طوال هذه السنين - الندم والأسف الذي لا ينتهي على ما فُقد.

كان ينظر إليه من بعيد، مترددًا وقلقًا، وأنفاسه تتلاحق بتوتر وخوف.

فبين رغبته في الاعتذار وخوفه من مواجهة قديس السيف، كان قلبه ينبض بالندم والأسى.

وعلى وجهه المنكسر، ارتسمت تعبيرات الذل والخزي من ذكريات الماضي المؤلمة.

ثم رفع نظره ببطء نحو تشيونغ ميونغ، وكأنما يستجدي عفوه وشفقته.

فالعجز والضعف كانا واضحين في كل تحركاته وملامح وجهه المتقطعة.

لكن في عينيه كان هناك شرر خفي من الأمل والعزم على التكفير عن أخطائه.

كان العجوز يقف في الزاوية المظلمة من ذلك المكان البائس، حيث كانت الجدران تحتفظ بذكريات الألم والفراق.

عينيه، المثقلتين بالندم، كانت تبحث بشغف عن ذلك الوجه الذي لطالما أراد رؤيته، وجه قديس السيف.

لكن بينما كان قلبه ينبض بالحنين، كان هناك أيضًا خوف يعتريه، خوف من مواجهة شخص يحمل في ملامحه كل ما فقده.

الجو من حوله كان مشحونًا بالتوتر، وكأن الهواء نفسه ثقيل كرصيد من الذكريات المؤلمة، يثقل على صدره ويمنعه من التنفس بحرية.

برودة المكان تسربت إلى عروقه، وكأنها تعبر عن فصول الشتاء القاسية التي عاشها، بينما كانت ذكريات المعركة تتردد في ذهنه كأصداء بعيدة، تتلوى وتتعالى، تأبى أن تتلاشى.

كان يتذكر كل لحظة من تلك الأحداث المأساوية، كيف أن كل قرار اتخذوه، أدى إلى تلك النهاية الحزينة.

ورغم الحزن الذي يعتصر قلبه، إلا أنه لم يكن ينوي جر طائفته إلى تلك الحرب مجددًا.

فقد قاتل لمدة مئة عام، يكافح لمنحهم حياة كريمة قبل أن تنتهي قصتهم.

كان قد تخلى عن أي أمل في النجاة، وقد عرف أن الشيطان السماوي سيعود لا محالة، مثل عاصفة لا يمكن تجنبها.

لكن الآن، كان أمامه قديس السيف، ذلك المحارب الذي قطع رأس تشونما.

كان يشع بقوة غير مرئية، وكأنه يجسد كل ما تبقى من الشجاعة في هذا العالم المظلم.

ومع أن قوته قد ضعفت، ورفاقه أصبحوا أكثر هشاشة، إلا أنه لا زال يحمل ذلك الشموخ الذي لا يتزعزع، كجبل يقاوم عواصف الزمن.

تجلى في عينيه بريق من العزيمة، وكأن كل جزء من جسده يتدفق بحياة جديدة، يرفض الاستسلام.

حتى في تلك اللحظة التي تجمد فيها جسد المتسول، كان تشيونغ ميونغ يتقدم بخطى ثابتة.

تلك اللحظة كانت كغيمة من الشكوك والآمال تتجاذب في قلبه، لكنه قرر أن يثق به، كما فعل في الماضي، وأن يرتاح أخيرًا بعد عناء طويل.

....................

كان العجوز مستلقيًا في الغرفة المظلمة، جسده يتلاشى ببطء تحت وطأة الزمن.

بدأت الحياة تتسرب منه كخيوط رقيقة من الضوء، وأحيط المكان بصمت مهيب، وكأن العالم من حوله قد تجمد في تلك اللحظة.

وكان ضوء الشموع الخافتة يرقص على الجدران، محدثة ظلالًا طويلة تنساب بسلاسة، كما لو كانت تحكي قصة حياة العجوز.

كل شهيق وزفير كان يثقل صدره، وكأن كل نفس يحمل معه عبء الذكريات، من المعارك التي خاضها إلى الأصدقاء الذين فقدهم.

وبينما كانت أنفاسه تتناقص، نظر العجوز إلى ظهر تشيونغ ميونغ، الذي كان ينحني قليلاً، كأنه يستمع إلى همسات الماضي.

في تلك اللحظة، شعر العجوز بفيض من المشاعر، مزيج من الأسف والامتنان والخوف.

كان قد استسلم، لكنه لم يشعر بالندم، بل كان قلبه مليئًا بالأمل، حيث ترك كل شيء لهذا البطل.

تخيل أن قديس السيف سيواصل القتال، سيتحمل الأعباء الثقيلة التي تركها، وسيظل رمزًا للأمل والشجاعة.

ارتعشت يداه بلطف، وكأنهما تودعان هذه الحياة، إلا أن عينيه لم تفارقا ذلك الظهر القوي، الذي كان يمثل كل ما كان يحلم به.

ومع كل نبضة من قلبه، ترك العجوز جزءًا من روحه مع تشيونغ ميونغ، عاقدًا العزم على أن يستمر إرثه، وأن تُحفظ آماله في قلب هذا المحارب الشجاع.

ومع تلاشي الوعي، أحس بشيء كالسكون يدخل إلى قلبه، تاركًا وراءه كل الآلام والمآسي.

كانت لحظة وداع مؤلمة، لكن في أعماقه، كان هناك شعور بالسلام، كما لو أن روحه كانت تستعد للانطلاق إلى عالم جديد، بعيدًا عن كل المعاناة.

في تلك اللحظة، مات المحارب الذي قاتل بشجاعة لمدة مئة عام، ليُدفن في ساحة معركته، في الغرفة التي أصبحت قبره.

مات وهو يحمل في قلبه آماله على جملة واحدة: قديس السيف، السيف الشهم لجبل هوا، تشيونغ ميونغ.


تعليقات