عهد قديم

قصة لقاء منتظر




في قلب منزل عائلة تانغ، كان تانغ جوناك جالسًا على كرسيه الخشبي القديم، عابسًا بعمق وهو يحدق في شيء غريب أمامه.

كانت المرآة المزخرفة، التي تعكس بريقًا غامضًا، مغطا
ة بنقوش معقدة تتناغم مع الضوء الخافت في الغرفة.

زوايا عينيه تركزت بشدة على تلك المرآة، وكأنها تخفي سرًا قديمًا.

وفجأة، دفع الباب بقوة، مما جعل تانغ جوناك يرفع نظره في حذر.

كان على وشك أن يصرخ، لكن لحظة واحدة من إدراك الشخص الذي دخل جعلت ملامح وجهه تتغير.

استبدل العبوس بابتسامة دافئة.

دخل تشيونغ ميونغ، ومزاجه يبدو متقلبًا.

كانت تعابيره تعكس انزعاجًا شديدًا؛ حاجباه متجعدان، وفمه مائل إلى الأسفل كما لو كان يستعد لإلقاء محاضرة.

"لا بحق! لماذا تستدعي رجلاً مشغولاً هنا وهناك؟ أتعتقد أنه لمجرد أنني أجلس وأشرب الكحول ليس لدي شيء لفعله؟"

كانت كلماته تتدفق بسرعة، وكأنها تتفجر من داخله.

ابتسم تانغ جوناك بتسامح، مشيرًا له أن يجلس بجانبه.

"حسناً، أنا أعلم أن تنين جبل هوا السامي مشغول، ولكن بطريقة ما شعرت أنه يجب أن أريك هذا."

رفع تانغ جوناك المرآة في يديه، وكانت تعكس ضوءًا خافتًا، وكأنها تنبض بالحياة.

سلمها لتشيونغ ميونغ الذي أخذها بفضول، مائلًا برأسه قليلاً، مستكشفًا تفاصيلها.

ضاق عينيه، وكأنه يحاول فك شيفرة غامضة.

"ما هذه؟"

سأل تشيونغ ميونغ صوته يحمل لمسة من الاستغراب. فأجابه الآخر

"إنها مرآة قديمة"

راح تشيونغ ميونغ يعبس وهو يحدق به بينما كان تانغ جوناك يشعر بقليل من التوتر والقلق

"أتعتقد أنني لا أعلم ذلك؟"

"لا، حسناً، إنها تحوي تعويذة ما"

قال تانغ جوناك، ومحياه يظهر عليه الحرج.

"تعويذة؟" سأل تشيونغ ميونغ، مستغربًا.

حلت لحظة من الصمت بينهما، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر. ثم، انفجر تشيونغ ميونغ بالضحك، ضاحكًا بإفراط بينما وضع يديه على معدته.

"بفت... لا... هاهاهاهاها... بحق؟؟... تعويذة؟... بفتتت ههههه رب عائلة تانغ؟"

احمر وجه تانغ جوناك، وقد غمره شعور من الخجل والحرج.

كان يعلم أن ما يقوله سخيفاً و يعلم أن رد فعله كان طبيعيًا، بل متوقعًا، ولكن، ومع ذلك، قرر أن يشارك تشيونغ ميونغ ما يشعر به.

لكن، بالطبع، لم يكن تشيونغ ميونغ ليبالي بمشاعره، بل استمر في الضحك، لذا تنهد تانغ جوناك وتابع كلامه بانزعاج طفييف

"يقال إنها يمكنها جعلك تقابل أسلافك."

عند نطق تلك الكلمات، بدا وكأن الهواء قد سُحب من الغرفة.

اختفى صوت الضحك الصاخب فجأة، وبدت أصداءه تتلاشى كما تتلاشى الأصداء في كهف عميق.

تشيونغ ميونغ، الذي كان مرتميًا على الأرض، جلس متجمدًا في مكانه كأنما أصابه صاعقة.

تعابير وجهه تغيرت فجأة، إذ اتسعت عينيه وكأنما استشعر شيئًا قديمًا يتوق إليه، لكنه في الوقت ذاته كان يخشى أن يكون كل ذلك مجرد سراب.

تلاشت الابتسامة من وجهه، ليحل محلها قلق عميق.

كانت الذكريات تتلاعب به، مثل أشباح تتراقص في ضوء القمر.

كان هو سلف جبل هوا المتجسد، والآن تلك الحقيقة جعلته يشعر بالوحدة أكثر من أي وقت مضى.

كانت صورة صديقه الذي سقط في تلك الحرب المروعة، تلوح في ذهنه كظل طويل في غسق الليل.

كيف يمكن أن يواجه ذاكرة من فقده في خضم الفوضى؟

صوت تشيونغ ميونغ، حينما خرج منه، كان خافتًا ومتقطعًا، كأن الكلمات كانت تتعثر في حنجرته.

انحنت كتفاه قليلاً، وكأن ثقل الذكريات كان يجثم عليه.

"وكيف تعمل؟"

سأل، وكانت نبرة صوته مفعمة بالاضطراب.

تانغ جوناك، الذي كان يراقب صديقه، شعر بقلق عميق.

استطاع أن يلاحظ التغير الواضح في تصرفات تشيونغ ميونغ، لكنه آثر الصمت، متجنبًا الخوض في الأمر.

كان تشيونغ ميونغ دائمًا غريب الأطوار، وفي كل مرة يتحدث معه، كان يشعر وكأن صديقه ينظر إليه من بعيد، كأنما يرى طيفًا عابرًا لا يُمكن لمسه.

ومع ذلك، كان يظل صديقه، الشخص الذي جاء إليه في يومٍ ما وغير مجرى حياته.

عندما سأله تشيونغ ميونغ بجدية، رد تانغ جوناك بصوت مفعم بالثقة،

"حسنًا، عليك وضع قطرة من دمائك وبث طاقتك الداخلية فيها."

"افعلها."

ارتسمت الدهشة على وجه تانغ جوناك، إذ لم يكن يتوقع هذه الإجابة المباشرة.

"ها؟"

"ألم تستدعني لهذا السبب؟ ماذا كنت تفكر؟"

تردد تانغ جوناك للحظة، حيث شعر بعجز عن التعبير بكلمات واضحة.

صحيح أنه طلب من تشيونغ ميونغ الحضور للاستشارة، فعلى رغم فارق العمر الكبير بينهما وتصرفاته الغريبة، كان يشعر أحيانًا وكأنه يتحدث إلى عجوز حكيم، وكأنما ينظر في أعين سلفه الذي فقده منذ زمن بعيد.

لكنه لم يتوقع رد الفعل هذا لذا بسرعة ودون تردد، أخرج خنجره اللامع، ولمعان السكين في الضوء جعل قلبه ينبض بشدة.

جرح يده بحذر، وسرعان ما تدفقت قطرة من الدماء، تتلألأ كحبة من الياقوت.

ثم انحنى نحو المرآة، مستجمعًا قواه، وبث طاقته الداخلية فيها.

فجأة، بدأت المرآة السوداء تتغير، كأنها تخلع جلبابها القديم.

تحولت إلى لون أخضر لامع، لون عائلة تانغ، وأصدر ضوء ساطع جعل كلاً من تشيونغ ميونغ وتانغ جوناك يغلقان أعينهما بشكل تلقائي، وكأنهما يواجهان وهج الشمس في منتصف النهار.

وبعد لحظات من الترقب، بدأ الضوء الخافت يختفي تدريجياً، وكأنما المساحات المحيطة تعيد تشكيل نفسها.

فتح تانغ جوناك عينيه ببطء، وكأنما يحاول استعادة توازنه بعد هزة غير متوقعة.

أمامه، ظهرت نافذة غامضة، تطل على مشهد لم يكن ليتخيله في أحلامه.

كان الجرف الذي يظهر في المرآة يطل على وادٍ عميق، حيث كانت الصخور الوعرة تتناثر كالأشباح في ضوء خافت.

تساقطت قطرات من الدماء على حافة الجرف، تتلألأ مثل الجواهر الحمراء، ترسم قصة مأساة لم تُروَ. هناك، في أعلى الجرف، كان يقف رجلٌ غامض، ملامحه غير واضحة في البداية.

بدا كأنه تمثال من المرمر، ضبابي وموحش، يرتدي ملابس مغطاة بالدماء، تتدلى حول جسده كعباءة من أحزان الماضي.

شعره الأسود الطويل كان يتناثر بفوضى حول كتفيه، وكأن الرياح تعزف لحنًا حزينًا في أذنه.

وعندما استدار نحو الخلف، بدأت ملامحه تتضح شيئًا فشيئًا.

عيناه الورديتان، باردتان وحادتان، كانتا تشعان بحدة قاتلة، وكأنهما نافذتان إلى عالم آخر.

وجهه الجاد كان يعبّر عن قوة وصمود، كما لو كان يحمل عبءًا ثقيلًا من الذكريات.

تانغ جوناك، الذي كان يراقب المشهد بجنون، أدرك فجأة سبب شعور الألفة الذي اجتاحه.

وراح ينظر إلى تشيونغ ميونغ، الذي كان لا يزال مغمض العينين، هادئًا بشكل غريب، كأنه يتأمل في أعماق نفسه.

كان تعبيره مزيجًا من القلق والترقب، وكأنما هو على وشك مواجهة شيء كان يخشاه منذ زمن بعيد.

وبينما كان تانغ جوناك يحدق، سمع صوتًا يقطع الصمت، صوتًا يلهث بقوة، يخرج من عمق الذكريات.

"لا بحق، هيونغ! لما تختفي وحدك فجأة؟ أتعلم كم من الصعب اللحاق بك؟"

تغيرت تعابير الرجل الواقف على الجرف عند سماع ذلك الصوت، وظهر على وجهه انزعاج خفيف.

"لما أنت بطيء هكذا؟"

بدأ الشخص الآخر بالتقدم نحو الجرف، خطواته واثقة، وكأن الأرض تحت قدميه تعرفه منذ الأزل.

كان شعره بنيًا، يتدفق كأنه نهر عكر، وملابسه، رغم اتساخها، كانت تحمل لمسة من الأناقة، كأنها كانت جزءًا من ماضٍ مجيد.

عيناه، الخضراوان، كانتا تلمعان كزجاج مشع، بينما تعابيره، رغم تعبه، كانت تحمل لمسة من الود والتفهم.

مد يده إلى جيبه وأخرج رباطًا أخضر، شعره ينسدل على جبهته وهو يتذمر بصوت متأفف،

"هيونغ، كيف تضيعهم بحق الإله؟ هذا خامس واحد أعطيك إياه اليوم؟"

أخذ الرجل الأول الرباط، الذي كان يبدو كأنه منسوج من خيوط الأمل، وراح يربط شعره بطريقة فوضوية.

"أوه حقاً، في المرة القادمة سأخبرهم بأن ينتظروا حتى أجد الرباط قبل أن أقاتل. هل أنت أحمق؟"

"لا، بحق الإله، هل أنت طاوي حقاً؟"

رد الشخص الثاني، في نبرة تحمل مزيجًا من الدعابة والانزعاج.

"ما الذي تقوله أيها الوغد؟"

جاء رد الأول، وهو يلوح بسيفه في الهواء، مشهد يعكس صداقة متينة مشوبة بالفوضى.

ومن ثم جلس الرجل الآخر بعد تعرضه للضرب يعبس وجهه، ويتحسس رأسه بسبب ذلك الطاوي المتوحش، وكان تعبيره مزيجًا من الاستياء والحنان.

أمال تانغ جوناك رأسه قليلاً، محاولاً استيعاب المشهد الذي أمامه، كان يدرك أن الشخص الذي أمامه بلا شك هو سلف عائلة تانغ، لكن من كان الشخص الذي بجانبه؟

"زي جبل هوا؟"

تمتم، مستعيدًا ذكريات قصص قديمة رواها له والده، عن قديس سيف زهرة البرقوق وصديقه، سيد الظلام، الذين قاتلا معًا في الحرب.

إذاً، الشخص الذي أمامه الآن هو سيد الظلام؟

شعر تانغ جوناك بأنه اتخذ القرار الصحيح بدعوة تشيونغ ميونغ، وراح ينظر إليه بفخر، كأنه يطلب شكرًا على إتاحته الفرصة للقاء سلفه.

لكن تعابير تشيونغ ميونغ، وهو يشاهد المشهد، كانت متصلبة بشدة، تحمل مرارة لم يسبق له أن أظهرها من قبل.

عكست عينيه عمق الحزن والفقدان، كما لو كان يسترجع ذكريات مؤلمة من زمن بعيد، زمن الحرب التي سلبته كل شيء.

بينما كان تشيونغ ميونغ يراقب المشهد من خلال المرآة، اجتاحت مشاعر معقدة قلبه، كأن شبحاً من الماضي قد عاد ليدغدغ ذكرياته المدفونة.

كان هو قديس سيف زهرة البرقوق، وها هو يرى صديقه تانغ بو، ذلك الرفيق الذي فقده في غمار الحرب، يقف أمامه لكنه كان مجرد طيف بعيد، محاط بمسافة لا يمكن تجاوزها.

وعلى الرغم من أن عينيه لم تفتحا، إلا أن روحه كانت تتأرجح بين الفرح والألم.

كان يتوق لهذا اللقاء منذ وقت طويل، ومع ذلك، فإن الفكرة بأن هذا اللقاء سيكون من خلال مرآة فقط، وبفصل من الزمن، جعلت قلبه ينقبض بشدة.

كان يود أن يصرخ، أن يمد يده ليلمسه، ليشعر بوجوده مرة أخرى، لكن بدلاً من ذلك، كان عالقًا في حالة من الشوق الممزوج بالأسى.

تلك الفرصة الثمينة لرؤية تانغ بو كانت كحلم بعيد، كسراب في صحراء من الذكريات.

وفي عمق قلبه، كان يدرك أن تلك اللحظة قد تكون كل ما تبقى لهما، مجرد ذكرى عبر مرآة، لكن ذلك لم يمنعه من أن يشعر بملوحة الدموع وهي تتجمع في عينيه، وهو يشاهد صديقه، كما لو كان يراقب جزءًا من نفسه يبتعد عنه إلى الأبد.

لم يستطع تشيونغ ميونغ أن يبتعد عن تلك الذكريات، فكل كلمة من تانغ بو كانت كالسهم الذي يخترق قلبه.

وهو يتأمل المرآة، شعر وكأن الزمن قد توقف، وكأن كل شيء حوله قد تلاشى.

كان تانغ بو، بملامح متجهمة، ينفخ على جراح رفيقه ويضع الدواء بيدين مهارتين، بينما يتمتم بتذمر

"دواء تانغ لا يمكن شراؤه حتى بالمال، من فضلك كن شاكراً."

تجلت السخرية في نبرة قديس السيف وهو يجيبه، رامقاً إياه بنظرة تحمل الكثير من المعاني.

"في كل مرة تفتح فيها فمك، تقول إنك تكره عائلة تانغ، لكنك تستخدم منتجاتهم جيداً."

"هذا شيء وذاك شيء آخر..."

ومن ثم صمتٌ خيم على المكان، وأخذ تانغ بو يتأمل السماء وكأنه يبحث عن إجابة فيها.

"لم أكن أعلم لماذا كانت العائلة حازمة إلى هذا الحد، لكني أعتقد أنني بدأت أفهم. في النهاية، بلا سلطة، أنت لا شيء."

كان تانغ جوناك يستمع لكلمات سلفه من خلف المرآة، مشاعره مختلطة. أحيانًا، راودته نفس تلك الأفكار التي تملأ عقله بالشكوك.

تابع تانغ بو ببطء، وكأن كلماته قد سُطّرت في قلبه

"لو كانت عائلة تانغ أقوى قليلاً، لما هربوا بعيداً عن سيتشوان، ولما فقد الكثير من الناس حياتهم.

هذا ما أفكر فيه هذه الأيام، هيونغ.

لو أنني بدلاً من مخالفة أفراد العائلة، آمنت بهم ودعمتهم، ألن تكون العائلة أقوى؟ ألن يكون بإمكاننا إنقاذ شخص آخر؟"

عند سماع هذه الكلمات، تذكر تانغ جوناك ذلك اليوم الذي قال فيه تشيونغ ميونغ إنه سيمنحه هدية، حين كان يوبخ الشيوخ لحثهم على دعم العائلة بدلاً من إعاقة رب الأسرة.

بدت الكلمات مشابهة بشكل غريب.

لكن كلمات قديس السيف التالية قطعت تلك الأفكار بحدة.

"لا تتحدث بالهراء، ربما قتلوا أثناء إيمانهم بقوتهم."

"هذا صحيح..."

أجاب تانغ بو بصوت خافت، كأنه يستشعر الحقيقة القاسية.

سكت تانغ بو للحظة، ثم تابع بصوت يحمل ثقل الندم:

"لذلك، بمجرد انتهاء الحرب، أخطط لمساعدة سيد العائلة قليلاً. أنا تانغ بالاسم فقط، لكنني لم أعتني بهم بشكل صحيح أبداً."

"لقد تصرفت بوحشية."

كان تانغ جوناك يستمع بتركيز، أفكاره تتداخل مع كلمات سلفه، ففي بعض الأحيان، راودته تلك الأفكار المظلمة أيضًا، وكأن هواجس الماضي تطارده.

ردًا على تعبير الانزعاج الذي ارتسم على وجه قديس السيف، قال تانغ بو بسخرية

"ألست وحشياً أيضاً؟ لست الوحيد الذي يفعل شيئاً كهذا."

كانت نبرة صوته مفعمة بالجرأة، لكن في لحظة واحدة، تشوه وجه قديس السيف بتعبير منزعج، مما جعل تانغ بو يشيح ببصره سريعًا نحو السماء، كأنما يبحث عن مخرج من الموقف.

"الطقس حقًا... قاتم، هاهاها."

تملص من الموقف بضحكة مترددة، لكنه كان يتجنب عيون هيونغ كما لو كانت نارًا تحرق.

في تلك اللحظة، شعر تانغ جوناك بشيء غريب.

كلمات تشيونغ ميونغ، تتداخل باستمرار مع كلمات سلفه، وكأنهما ينسجمان معًا عبر الزمن.

كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ مئة عام تفصل بينهما، ومع ذلك، كانت الكلمات تتدفق وكأنها مشاعر متبادلة.

تابع تانغ بو بصوت أكثر جدية، مُقطعًا حبل أفكار تانغ جوناك

"هيونغ، دعنا نقطع وعدًا. إذا مت خلال هذه الحرب، يرجى الاعتناء بعائلتي."

كان صوته يحمل ثقلًا واضحًا، وكأن كل كلمة كانت تحمل معها عبء الذكريات والأمل.

في تلك الأثناء كان تشيونغ ميونغ يستمع من بعيد، هادئًا وساكنًا، لكن داخله كانت تعصف به أعاصير من الألم والذكريات.

كل كلمة نطق بها تانغ بو كانت كالسهم الذي يطعن قلبه.

"اعتني بعائلتي"، تلك الكلمات التي ترددت في أذنه كصدى مؤلم، كانت آخر ما قاله صديقه قبل أن تأخذه يد الموت.

كان عاجزًا، يشعر بحرارة جسد تانغ بو تتلاشى بين يديه، كما لو كانت سرابًا بعيدًا، رغم قوته ولقبه، كان يشعر بالعجز أمام قوى لا تقاوم.

ولكن قديس السيف في المرآة لم يكن يدرك أنه بعد شهر واحد فقط من تلك المحادثة، سيفقد رفيقه الوحيد.

لذا كانت إجابته تعبر عن عدم فهمه لعمق المشاعر، متجاهلاً تلك الحقيقة المؤلمة.

"ما هذا الهراء؟"

قالها بحدة، تتردد في أرجاء المكان.

أجاب بو بسخرية، لكن كانت في نبرته لمسة من الجد

"أنا وإن كنت قوياً كالرعد، فهيونغ لديه الفرصة الأكبر للبقاء على قيد الحياة، أليس كذلك؟ لذا اعتبر هذه وصيتي الأخيرة، فقط اعتني بالأطفال قليلاً."

“إذا كنت ستقول هراء، اذهب من هنا سأطعنك حقًا!”

أجابه تانغ بو بمرح،

"أخي الطاوي، لا تكن هكذا، سأعطيك أيضًا حبة من سم النحل."

في تلك اللحظة، شعرت الضحكة الخافتة بالرغبة في الانفجار في قلبه، لكن انزعاج تشيونغ ميونغ كان يقترب من الغليان. رفع سيفه غاضبًا، مما جعل تانغ بو يرفع يديه دفاعًا.

"انتظر، انتظر! ما هذا، لما يصعب عليك فهم هذا؟"

رد قديس السيف، بينما يعيد سيفه إلى غمده، بنبرة متوترة.

"إذا أردت تطويرها، افعل ذلك بنفسك. ابقَ على قيد الحياة، لما تفكر بالمستقبل أيها الميت؟ كل شيء ينتهي بالموت."

رد تانغ بو بتردد،

"آه، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. بما أنك طاوٍ منعزل عن العالم، فأنت بالتأكيد لا تفهم هذا الشعور. لكن حتى لو مت، سيظل الآخرون أحياء، أليس كذلك؟"

كان هناك صمت ثقيل، وكأن الهواء قد تجمد للحظة، ومن ثم تابع بو

"هناك شعور لا يزول بالقلق وعدم الرضا"،

رغم كلمات صديقه، بدأ قديس السيف بالابتعاد، لكنه قال

"لا تترك العمل للآخرين، افعله بنفسك."

ثم توقف، والتفت للخلف، كأنما يريد أن يترك أثرًا من الأمل في قلب تانغ بو.

"بدلاً من ذلك... سأُنهي الحرب بقطع رأس الشيطان السماوي. لذا حتى ذلك الحين، ابق مثابرًا وابقَ على قيد الحياة."

ابتسم تانغ بو عند سماع تلك الكلمات، وعبر عن تفاؤله في عينيه المتلألئتين.

"حسناً، لقد وعدتني، حسناً."

"لا جدوى منك"

رد قديس السيف، لكن نبرة صوته كانت أقل حدة.

"هيهي، أخي يستطيع أن يفعل ذلك!"

كان الحوار يتردد في أرجاء المكان، وكأن الزمن قد توقف، بينما كان كل منهما يبني أحلامه وآماله في انتظار ما هو قادم.

سار الاثنان مبتعدين، ومع كل خطوة كانت المرآة تذبل وتخبو، إلى أن انطفأت الصورة كأنها نجمة تسقط في ظلام الليل.

عمّ الصمت بين تانغ جوناك وتشيونغ ميونغ، لكن المشاعر التي اجتاحت كل منهما كانت متناقضة تمامًا.

كان تانغ جوناك يشعر بشيء من الفخر والسعادة، حيث تأججت في قلبه جذور الصداقة القديمة بين جبل هوا وعائلة تانغ، تلك التي استمرت لمئة عام. ابتسم برفق، متأملاً في  تشيونغ ميونغ وهو يتذكر كيف أحيا تلك الروابط التي فقدت، كأنما يحاول إعادة بناء جسرٍ متهدم.

على الجانب الآخر، كان تشيونغ ميونغ هادئًا، وجهه كان خال من التعبيرات، إلا أن أظافره كانت تغرس عميقًا في لحم يديه، حتى سالت الدماء الحمراء من جروحها.

كان يشعر وكأن سكينًا تغرز في قلبه، تتلوى ببطء، تمزق أوصاله وتقطع شرايينه بوحشية.

قد وفى  بوعده وقطع رأس الشيطان، لكن الثمن كان باهظًا، فقد خسر كل ما كان عزيزًا عليه.

كان قد اعتنى بأطفال تانغ، لكن بعد فوات الأوان، فقد مضت مئة عام، وصديقه الذي طلب ذلك بات الآن ترابًا في الجبال.

عادت لذهنه ذكرى ذلك اليوم كانت ساحة المعركة تعج بالفوضى، أصوات الصراخ والانفجارات تملأ الهواء، بينما كانت السماء ملبدة بالسحب الداكنة.

في وسط كل ذلك، كان تشيونغ ميونغ يتخبط بخطوات متلاحقة نحو صديقه، الذي كان ملقى على الأرض، جسده مغطى بالجراح، ودماؤه تسيل كأنهار غزيرة.

عندما وصل إليه، شعر بتلك اللحظة وكأنها تجمدت.

كان تانغ بو ممددًا، وجهه الشاحب يتلألأ بلمسات ضوء الشمس الخافتة، لكن عينيه الخضراوين كانتا مليئتين بالألم.

حاول تشيونغ ميونغ أن يمسك بيديه المرتعشتين، لكن الألم كان يخنق كلماته.

"لا يمكنك الموت بعد أيها الوغد!"

كانت نبرة صوته تتخللها الذعر، وهو يحاول بث طاقته الداخلية في جسد صديقه، لكن كل محاولاته كانت بلا جدوى.

الطاقة التي كان يرسلها كانت تتبخر كالدخان في الهواء، وبدلاً من أن يشعر بو بالتحسن، كانت تعابير وجهه تتجمد في مزيج من الألم والخوف.

ابتسم تانغ بو بابتسامة باهتة، رغم الجراح التي كانت تلهب جسده.

" هيونغ...لا فائدة، لقد حان الوقت."

كانت كلماته تتدفق بصعوبة، كأنها تتسلل من بين شفتين متشققتين. "اعتنِ بعائلتي... لا تتركهم وحدهم."

شعر تشيونغ ميونغ بصدمة تتفجر في صدره. كان قلبه يتفطر من الألم.

"لا، لا، لا! يمكنك البقاء، سأفعل أي شيء!"

لكن صوته كان يتلاشى في ضجيج المعركة، وكأن العالم من حوله بدأ يتلاشى أيضًا.

بينما كانت عينا بو تفقد ضوءها تدريجياً، كان يبتسم بتلك الابتسامة التي احتفظت بالذكريات الجيدة بينهما، كأنها كانت الوعد الأخير.

ثم، كما لو أن الحياة قد سُحبت منه، أغمض تانغ بو عينيه، وجسده استقر في صمت.

لم تعد هناك كلمات، فقط هدوء قاتم.

تشيونغ ميونغ، الذي كان يحاول جاهدًا أن يختصر كل مشاعره في تلك اللحظة، انخرط في نوبة من البكاء، وهو يمسك بيد صديقه، يداه ترتجفان.

في تلك اللحظة، فقد جزءًا كبيرًا من روحه، الحرب لم تأخذ فقط صديقه، بل أخذت أيضًا جزءًا من هويته.

كانت تتكرر أمام عينيه، وكأنها مشهد من كابوس لا ينتهي.

كانت هي الشفرة التي ستحفر في ذاكرته إلى الأبد، ذكرى مؤلمة عن الصداقة، الفقد، والوعد الذي يجب أن يُوفي.

لكن لم يكن لديه الوقت للاجتياح بتلك المشاعر، سرعان ما وقف، نافضًا إياها بعيدًا.

نظر تانغ جوناك إليه بدهشة وهو ينهض من مكانه.

"تنين جبل هوا؟"

بينما كان تشيونغ ميونغ يسير مبتعدًا، سأله جوناك:

"أأنت ذاهب هكذا فقط؟"

أجاب تشيونغ ميونغ بصوت هادئ:

"لقد رأيت ما أتيت لأجله. أنا شخص مشغول، كما تعلم."

قال تلك الكلمات ورحل من المكان، تاركًا تانغ جوناك الذي ابتسم وهو يراقبه من بعيد.

"حقًا إنه صديق غريب."

في تلك الليلة، أبى النوم أن يزور جفونه.

كانت أصوات الموتى تتردد في أذنه.

لذا قرر أن يصعد الجبل، حاملاً معه زجاجة من الكحول وكأسين.

جلس وحيدًا، محاطًا بالظلام، لكن كأنما كان هناك شخص يجلس بجواره.

بدأ يسكب الكحول في الكأسين، ويرتشف من أحدهما، كما لو كان يشارك تلك اللحظة مع صديقه الغائب.

كانت قطرات الكحول تتلألأ تحت ضوء القمر، وكأنها دموع مسكوبة على أرض الذكريات، تخفي في عمقها حكايات من الماضي.

....النهاية....

النهاية

                                                                                                                             

تعليقات